للقضاء الذي هي من أسباب الدين ولا ينكر في المحسوس والمشروع أن يحدث باجتماع الأفراد ما لا يقوم به الأفراد, والله أعلم. فصار الإجماع كآية من الكتاب أو حديث متواتر في وجوب العمل والعلم به.فيكفر جاحده في الأصل
ـــــــ
الذي هو من أسباب الدين عن البطلان فلأن يثبت الإجماع حجة لأجل صيانة أصل الدين كان أولى, وهذا بخلاف الشرائع المتقدمة; فإن نسخها لما كان جائزا لم يقع الحاجة فيها إلى عصمة الأمة عن الخطأ فأما شريعتنا هذه فلا يجوز عليها النسخ بل هي شريعة مؤبدة فعصمت أمتها من الخطأ ليبقى الشرع بإجماع الأمة محفوظا, ثم أجاب عن كلامهم فقال ولا ينكر في المحسوس والمشروع أن يحدث باجتماع الأفراد ما لا يقوم به الأفراد; فإن الأفراد لا يقدرون على حمل خشبة ثقيلة, وإذا اجتمعوا قدروا عليه. واللقمة الواحدة لا تكون مشبعة, وإذا اجتمعت اللقمات تصير مشبعة وخبر الواحد لا يكون موجبا للعلم وعند اجتماع المخبرين على نقله يصير موجبا له, والكلمة الواحدة بل الآية الواحدة من القرآن لا تكون معجزة وإذ اجتمعت الآيات صارت معجزة. قال أبو الحسين البصري في جوابهم: المستحيل أن يقال كل واحد من الأمة يجوز أن يكون مخطئا في القول الذي اتفقوا عليه وجماعتهم غير مخطئين فيه ونحن لا نقول كذلك وإنما نقول: كل واحد منهم يجوز أن يكون قوله خطأ إذا انفرد, وإذا اجتمع مع كافة الأمة لم يكن قوله خطأ وليس بممتنع أن يفارق الواحد الجماعة ونظير ما ذكرنا أن يقال كل واحد من الناس يجوز أن يكون أسود في الموضع الفلاني فإذا اجتمعوا في موضع آخر لم يكونوا سودا بل بيضا, وقد مرت الإشارة إلى الجواب عن بقية كلامهم في أول باب الإجماع.
قوله"فيكفر جاحده في الأصل"أي يحكم بكفر من أنكر أصل الإجماع بأن قال: ليس الإجماع بحجة أما من أنكر تحقق الإجماع في حكم بأن قال: لم يثبت فيه إجماع وأنكر الإجماع الذي اختلف فيه فلا. واعلم أن العلماء بعدما اتفقوا على أن إنكار حكم الإجماع الظني كالإجماع السكوتي والمنقول بلسان الآحاد غير موجب للكفر اختلفوا في إنكار حكم الإجماع القطعي كإجماع الصحابة مثلا فبعض المتكلمين لم يجعله موجبا للكفر بناء على أن الإجماع عنده حجة ظنية فإنكار حكمه لا يوجب الكفر كإنكار الحكم الثابت بخبر الواحد أو القياس. وذكر هذا القائل في تصنيف له والعجب أن الفقهاء أثبتوا الإجماع بعمومات الآيات والأخبار وأجمعوا على أن المنكر لما تدل عليه هذه العمومات لا يكفر إذا كان الإنكار لتأويل, ثم يقولون الحكم الذي دل عليه الإجماع مقطوع به ومخالفه كافر فكأنهم قد جعلوا الفرع أقوى من الأصل وذلك غفلة عظيمة, وبعضهم جعلوه موجبا للكفر; لأن الإجماع حجة قطعية كآية من الكتاب قطعية الدلالة أو خبر متواتر