دليله بل من قبل عينه كرامة للأمة وإدامة للحجة وصيانة وتقريرا لهم على المحجة ولو جمعهم دليل موجب يوجب علم اليقين لصار الإجماع لغوا فثبت أن ما قاله هذا القائل حشو من الكلام. وأما السبب الناقل إلينا فعلى مثال نقل
ـــــــ
أهل البدعة والإلحاد, وقولهم لو انعقد عن دليل لم يبق في الإجماع فائدة باطل; لأنه يقتضي أن لا يصدر الإجماع عن دليل واحد لا نقول به, إذ الخلاف في أن الدليل ليس بشرط لا أن عدم الدليل شرط. على أن فيه فوائد وهي سقوط البحث عن ذلك الدليل وكيفية دلالته على الحكم وحرمة المخالفة بعد انعقاد الإجماع الجائزة قبله بالاتفاق. وأما ما ذكروا من بيع المراضاة وأجرة الحمام فالإجماع فيهما ما وقع إلا عن دليل إلا أنه لم ينقل إلينا استغناء بالإجماع عنه.
وإذا ثبت أنه لا بد للإجماع من مستند فذلك المستند يصلح أن يكون دليلا ظنيا كخبر الواحد والقياس عند جمهور العلماء كما صلح أن يكون دليلا قطعيا مثل نص الكتاب والخبر المتواتر وذهب داود الظاهري وأتباعه والشيعة ومحمد بن جرير والقاشاني من المعتزلة إلى أن مستند الإجماع لا يكون إلا دليلا قطعيا ولا ينعقد الإجماع بخبر الواحد والقياس; لأن الإجماع حجة قطعية وخبر الواحد والقياس لا يوجبان العلم قطعا فلا يجوز أن يصدر عنهما ما يوجب العلم قطعا إذ الفرع لا يكون أقوى من الأصل, كذا ذكر الاختلاف في الميزان وأصول شمس الأئمة وعليه يدل كلام الشيخ أيضا, ولكن المذكور في عامة الكتب أنهم وافقونا في انعقاد الإجماع عن خبر الواحد واختلفوا في انعقاده عن القياس. ووجهه أن الناس خلقوا على همم متفاوتة وآراء مختلفة فلا يتصور إجماعهم على شيء إلا لجامع جمعهم عليه وكلام من التزموا طاعته وانقادوا لحكمه يصلح جامعا, فأما الاجتهاد بالرأي مع اختلاف الدواعي فلا يصلح جامعا ولأن الإجماع منعقد على جواز مخالفة المجتهد فيما اجتهد فلو انعقد الإجماع عن اجتهاد لحرمت المخالفة الجائزة بالاتفاق ولأن الإجماع لا يكون إلا باتفاق أهل العصر ولا عصر إلا, وفيه جماعة من نفاة القياس فذلك يمنع من انعقاد الإجماع مسندا إلى القياس حجة الجمهور أن انعقاد الإجماع عن خبر الواحد والقياس أمر لا يستحيله العقل كانعقاده عن غيرهما والنصوص التي توجب كون الإجماع حجة لا تفصل وبينهما إذا كان مستنده دليلا قطعيا أو ظنيا فوجب القول به ولا يجوز اشتراط الدليل القطعي; لأنه يكون تقييدا لها من غير دليل, وهو فاسد. كيف وقد وقع الإجماع عن خبر الواحد والقياس مثل إجماعهم في وجوب الغسل مسندا إلى حديث عائشة رضي الله عنها في التقاء الختانين وإجماعهم على حرمة بيع الطعام قبل القبض مسندا إلى ما روى ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم"من ابتاع طعاما فلا يبيعه"