تعالى كلفنا العمل بالقياس بطريق وضعه على مثال العمل بالبينات فجعل الأصول شهودا فهي شهود الله ومعنى النصوص هو شهادتها, وهو العلة الجامعة بين الفرع والأصل ولا بد من صلاحية الأصول, وهو كونها صالحة للتعليل
ـــــــ
ولم يذكر الشيخ رحمه الله تحديد القياس واختلفت عبارات الأصوليين في ذلك فقيل هو رد الحكم المسكوت عنه إلى المنطوق به, وهو فاسد لكونه غير مانع لدخول دلالة النص فيه وهي ليست بقياس وغير جامع لخروج القياس العقلي عنه وقيل: هو تعدية حكم الأصل بعلته إلى فرع هو نظيره, وهو فاسد أيضا لعدم اشتماله على قياس المعدوم على المعدوم; فإن الأصل والفرع أمران وجوديان إذ الأصل اسم لما يبتنى عليه غيره والفرع اسم لما يبتنى على غيره والمعدوم ليس بشيء ولأن حكم الأصل وعلته من أوصافه والانتقال على الأوصاف لا يجوز بل الثابت مثل حكم الأصل بمثل علته في الفرع. والمنقول عن الشيخ أبي منصور رحمه الله أنه إبانة مثل حكم أحد المذكورين بمثل علته في الآخر, واختار لفظ الإبانة دون الإثبات; لأن القياس مظهر وليس بمثبت بل المثبت هو الله تعالى وذكر مثل الحكم ومثل العلة احتراز عن لزوم القول بانتقال الأوصاف; فإنه لو لم يذكر لفظ المثل يلزم ذلك وذكر لفظ المذكورين ليشتمل القياس بين الموجودين وبين المعدومين كقياس عديم العقل بسبب الجنون على عديم العقل بسبب الصغر في سقوط الخطاب عنه بالعجز عن فهم الخطاب, وأداء الواجب ومختار القاضي الباقلاني والغزالي وعامة أصحاب الشافعي إنه حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من إثبات حكم أو صفة أو نفيهما عنهما قال الغزالي وإنما قيل: حمل معلوم على معلوم ليشمل القياس بين المعدومين ولو قيل: حمل شيء على شيء لتناول الموجود دون المعدوم إذ المعدوم ليس بشيء وكذا لو قيل: حمل فرع على الأصل; لأن هذا اللفظ لا ينبئ عن المعدوم وإن كان لا يبعد إطلاقه عليه بتأويل ما والحكم قد يكون إثباتا ونفيا وكذا الجامع قد يكون حكما وصفة وكل واحد منهما قد يكون نفيا وإثباتا والاعتراضات الواردة على هذا الحد مع أجوبتها مذكورة في كتبهم قلت فلتطلب فيها.
قوله:"وهذه جملة"أي ما ذكرنا أنه مدرك في أحكام الشرع ومفصل أمر مبهم لا يعقل إلا بالبسط وعبارة شمس الأئمة وإنما يتبين هذا أي كونه مدركا ببسط الكلام. وبيان ذلك أي بيان كونه مدركا ومفصلا أن الله تعالى كلفنا العمل بالقياس كما نطقت به النصوص بطريق وضعه يعني للقياس على مثال العمل بالبينات في خصومات العباد وتعلق على بقوله كلفنا العمل أو بقوله وضعه فجعل الأصول وهي النصوص شهودا; فإنها شهود الله تعالى على حقوقه وأحكامه بمنزلة الشهود في حقوق العباد. ومعنى النصوص