المدلول أما الدليل فشبهة في الأصل; لأن النص لم ينطق بشيء من الأوصاف علة للحكم والحكم المطلوب حق الله تعالى فلا يصح إثباته بما هو شبهة في الأصل مع كمال قدرة صاحب الحق, وأما الذي في المدلول فلأن المدلول طاعة
ـــــــ
رواية أبي هريرة رضي الله عنه"فقاسوا ما لم يكن بما قد كان فضلوا وأضلوا"السبايا جمع سبية بمعنى مسبية وأراد بها الجواري أي اتخذوا الجواري سريات فولدن لهم أولادا ليسوا بنجباء إذ النجابة من قبيل الأمهات فصدر منهم ما يفضي إلى الضلال والإضلال, وهو القياس ومثل حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"تعمل هذه الأمة برهة بكتاب الله وبرهة بسنة رسول الله وبرهة بالرأي فإذا فعلوا ذلك ضلوا"ومثل ما روى عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أضرها على أمتي قوم يقيسون الأمور بآرائهم فيحللون الحرام ويحرمون الحلال"ومثل ما روى عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا1"والفتوى بالرأي فتوى بغير علم. وروي عن عمر رضي الله عنه إياكم وأصحاب الرأي; فإنهم أعداء الدين أعيتهم السنة أي لم يحفظوها فقالوا برأيهم فضلوا وأضلوا وعن ابن مسعود رضي الله عنه إياكم وأرأيت وأرأيت; فإنما هلك من كان قبلكم في أرأيت وأرأيت وعنه أنه قال: إن عملتم في دينكم بالقياس أحللتم كثيرا مما حرم الله وحرمتم كثيرا مما أحل الله وعن ابن سيرين أنه قال: أول من قاس إبليس وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس, وقال الشعبي: ما حدثوك عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فحدثه وما أخبروا عن رأيهم فألقه في الحش, وعن مسروق أنه قال: لا أقيس شيئا إني أخاف أن تزل قدمي بعد ثبوتها وفي مثل هذه الأخبار والآثار كثيرة.
قوله:"وأما المعقول فكذا"وتمسكوا بوجوه من المعقول منها ما ذكر في الكتاب, وهو أن العمل بالقياس لا يجوز لمعنى في الدليل, وهو القياس ولمعنى في المدلول, وهو ما ثبت به من الحكم الشرعي, أما الدليل أي المعنى الذي في الدليل فشبهة في الأصل أي أصل القياس واحترز به عن خبر الواحد كما سنقرره; لأن النص لم ينطق بشيء من الأوصاف علة للحكم يعني أن الوصف الذي تعلق به الحكم غير منصوص عليه صريحا ولا إشارة ولا دلالة ولا اقتضاء بل امتاز من بين سائر الأوصاف بالرأي الذي لا ينفك عن
ـــــــ
1 أخرجه مسلم في العلم حديث رقم 2673، ورواه الترمذي في العلم حديث رقم 2652، وابن ماجة برقم 52، والإمام أحمد في المسند 2/162.