فهرس الكتاب

الصفحة 1457 من 2201

يحصى وأوضح من أن يخفى وإنما نذكر طرفا منه تبركا واقتداء بالسلف قال الله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2] والاعتبار رد الشيء إلى نظيره والعبرة البيان قال الله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ} [يوسف: 43] أي تبينون والقياس مثله سواء فإن قيل: إنما يصح الاعتبار بأمر ثابت بالنص دون الرأي, وهو أن يذكر سبب هلاك قوم أو نجاتهم وكذلك عندي ههنا

ـــــــ

اللغة في الجاهلية, وهو باق اليوم بين الكفرة الذين لا يعلمون حكم الشريعة وعلى ذلك يحمل أي على ما يدرك بالحس والعيان مثل المثلات والكرامات يحمل ما ورد من الأمر بالاعتبار في قوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} وعلى أمر الحروب يحمل مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم يعني يحمل ما ورد من الأمر بالمشاورة للرسول عليه السلام بقوله: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] ومشاورته أصحابه على أمر الحروب بدليل أن المروي أنه يشاورهم في ذلك, ولم يعقل أنه شاورهم قط في حقيقة ما هم عليه ولا في ما أمرهم به من أحكام الشرع وإلى هذا المعنى أشار بقوله عليه السلام"إذا أتيتكم بشيء من أمر دينكم فاعملوا به, وإذا أتيتكم بشيء من أمر دنياكم فأنتم أعلم بدنياكم1".

قوله: قال الله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} أمرنا بالاعتبار, وهو برد الشيء إلى نظيره كذا حكي عن ثعلب ومنه يسمى الأصل الذي يرد إليه النظائر عبرة ويقال: اعتبرت هذا الثوب بهذا الثوب أي سويته به في التقدير وهذا هو القياس; فإنه حذو الشيء بنظيره فكان مأمورا به بهذا النص, وقيل: الاعتبار التبيين ومنه قوله تعالى إخبارا {إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ} تبينون والتبيين الذي يكون مضافا إلينا هو إعمال الرأي في معنى المنصوص ليتبين به الحكم في نظيره, كذا ذكر شمس الأئمة فكان الضمير في قوله والقياس مثله راجعا إلى الاعتبار أو إلى كل واحد منهما أو لأي المعنيين بتأويل المذكور أي القياس مثل رد الشيء إلى نظيره فيكون داخلا تحت الأمر أو القياس مثل المعنيين; لأنه رد الشيء إلى نظيره وبيان لحكمه أيضا بالرد إلى النظير فكان الأمر متناولا. وذكر بعض الأصوليين أن الاعتبار هو الانتقال والمجاوزة عن الشيء إلى غيره مشتق من العبور يقال عبرت النهر أي جاوزته والموضع الذي يعبر عليه والمعبر السفينة أو القنطرة التي يعبر بها والعبرة الدمعة التي عبرت من الجفن وعبر الرؤيا وعبرها جاوزها إلى ما يلازمها فثبت بهذه الاستعمالات كون الاعتبار حقيقة في الانتقال والمجاوزة إلى الغير وذلك متحقق في القياس; فإنه عبور من حكم الأصل إلى حكم الفرع فكان داخلا تحت الأمر. فإن قيل: لا نسلم أن حقيقة

ـــــــ

1 أخرجه نحوه مسلم في الفضائل حديث رقم 2362.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت