بأسباب نقلت عنهم لنكف عنها احترازا عن مثله من الجزاء, وكذلك التأمل في حقائق اللغة لاستعارة غيرها لها سائغ والقياس نظيره بعينه لأن الشرع شرع أحكاما بمعاني أشار إليها كما أنزل مثلات بأسباب قصها ودعانا إلى التأمل ثم الاعتبار وبيان ذلك في الأصل في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} [الحشر: 2] فالإخراج من
ـــــــ
والتأمل وكذلك التأمل أي كما أن التأمل في أحوال من قبلنا واجب لنعتبر أحوالنا بأحوالهم.
"التأمل في حقائق اللغة"أي في معاني الألفاظ لاستعارة غيرها أي غير ألفاظها الدالة عليها بالوضع لها أي لتلك الحقائق والمعاني سائغ أي جائز كالتأمل في معنى الشجاع, وهو الإنسان الموصوف بالشجاعة لاستعارة غير لفظه, وهو الأسد الدال على الهيكل المعلوم لذلك الإنسان باعتبار أن الشجاعة من الأوصاف المشهورة لذلك الهيكل سائغ بلا خلاف, فكذا التأمل في الأصل والفرع لتعرف المعنى الذي هو مناط الحكم وتعدية حكم الأصل إلى الفرع يكون جائزا أيضا ولو قيل: وكذلك التأمل في حقائق اللغة لاستعارتها لغير موضوعاتها سائغ لكان موافقا لما ذكر شمس الأئمة وغيره, وهو أن التأمل في معنى الثابت بإشارة صاحب الشرع بمنزلة التأمل في معنى اللسان الثابت بوضع واضع اللغة, ثم التأمل في ذلك للوقوف على طريق الاستعارة حتى نجعل ذلك اللفظ مستعارا في محل آخر بطريقه جائز مستقيم من عمل الراسخين في العلم فكذلك التأمل في معاني النص لإثبات حكم النص في كل موضع علم أنه مثل المنصوص عليه; لأنا لا نعرف المؤثر إلا بالسماع من صاحب الشرع كما لا يعرف طريق الاستعارة إلا من العرب فكان البابان واحدا غير أن المصير إلى أحدهما بالسماع من صاحب الشرع وفي الآخر من العرب. وقال القاضي الإمام أيضا إنا أحيينا بالقياس الحجج حتى عمت بالتعليل فأمكن العمل بها في غير ما تناوله النص لغة كما أحيا هو ونحن معه حقائق النصوص بالوقوف على طريق المجاز والاستعارات فأمكننا العمل بها في غير ما وضعها واضع اللغة في الأصل, ولم يكن ذلك اقتراحا على اللسان ولا وضعا من عند نفسه فكذلك هذا والقياس نظيره أي نظير كل واحد من الاعتبار الواجب والتأمل في حقائق اللغة, ودعانا إلى التأمل ثم الاعتبار; لأن الاعتبار يتوقف على سابقة التأمل فكان الدعاء إلى الاعتبار دعاء إلى التأمل.
قوله"وبيان ذلك"أي بيان التأمل المؤدي إلى الاعتبار في الأصل أي في النص الموجب للاعتبار يتحقق في قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ