الديار عقوبة بمعنى القتل والكفر يصلح داعيا إليه وأول الحشر دلالة على تكرار هذه العقوبة. وقوله تعالى: {مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا} [الحشر: 2] دليل على أن إصابة النصرة جزاء التوكل وقطع الحيل وأن المقت والخذلان جزاء النظر
ـــــــ
الْكِتَابِ يعني يهود بني النضير من ديارهم من مساكنهم بالمدينة. وذلك أنهم صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة على أن لا يكونوا عليه ولا له فنقضوا العهد بعد وقعة أحد فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبا إلى مكة فحالفوا عليه قريشا عند الكعبة فأمر محمد بن مسلمة الأنصاري بقتل كعب بن الأشرف فقتله غيلة وكان أخاه من الرضاعة, ثم خرج النبي عليه السلام بالكتائب وأمرهم بالخروج من المدينة فاستمهلوا عشرة أيام فدس المنافقون إليهم لا تخرجوا من الحصن فإن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم وإن خرجتم لنجرجن معكم فلما آيسوا من نصرهم طلبوا الصلح فأبى عليهم إلا الجلاء على أن يحمل كل ثلاث أبيات على بعير ما شاءوا من متاعهم فلحقوا بالشام بأذرعات وأريحا إلا أهل بيتين منهم آل أبي الحقيق وآل حيي بن أخطب; فإنهم لحقوا بخيبر ولحقت طائفة بالحيرة.
واللام في {لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} متعلقة بأخرج وهي مثل اللام في قدمت لحياتي وفي جئته لوقت كذا والمعنى أخرج الذين كفروا عند أول الحشر معنى أول الحشر أن هذا أول حشرهم إلى الشام وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء قط وهم أول من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام, أو هذا أول حشرهم والحشر الثاني إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام وإليه أشير في الكتاب, وقيل: الحشر الثاني حشر يوم القيامة; لأن المحشر يكون بالشام {مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا} لشدة بأسهم ومنعتهم ووثاقة حصونهم وكثرة عددهم وعدتهم وظنوا أن حصونهم تمنعهم من بأس الله فأتاهم أمر الله أو عذابه من حيث لم يحتسبوا لم يظنوا ولم يخطر ببالهم من جهة المؤمنين وما كانوا يحسبون أنهم يغلبونهم ويظهرون عليهم {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ} [الأحزاب: 26] بقتل رئيسهم غرة على يد أخيه والرعب الخوف الذي يرعب الصدر أي يملؤه وقذفه إثباته وركزه, {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ} التخريب الإخراب والإفساد بالنقض والهدم, وقيل: التخريب الهدم والإخراب تركه لا ساكن فيه والانتقال عنه كانوا يخربون بواطنها والمسلمون ظواهرها لما أراد الله تعالى من استئصال شأفتهم وأن لا يبقى لهم بالمدينة دار ولا منهم ديار والذي دعاهم إلى التخريب حاجتهم إلى الخشب والحجارة ليسدوا أفواه الأزقة وأن لا يتحسروا بعد جلائهم على بقائها مساكن للمسلمين وأن ينقلوا معهم ما كان في أبنيتهم من الخشب والساج المليح. وأما المؤمنون فداعيهم إزالة متحصنهم ومتمنعهم وأن يتسع لهم مجال الحرب.