إلى القوة والاغترار بالشوكة إلى ما لا يحصى من معاني النص ثم دعانا إلى الاعتبار بالتأمل في معاني النص للعمل به فيما لا نص فيه, وكذلك في مسألتنا هذه ومثال ذلك في مسألة الربا وذلك أن النبي عليه السلام قال:"الحنطة بالحنطة"أي بيعوا الحنطة بالحنطة; لأن الباء كلمة إلصاق فدل على إضمار فعل مثل قولك: بسم الله فدل عليه قوله"لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء"
ـــــــ
ومعنى تخريبهم لها بأيدي المؤمنين أنهم لما عرضوهم لذلك وكانوا السبب فيه فكأنهم أمروهم به وكلفوهم إياهم {فَاعْتَبِرُوا} فاتعظوا يا أولي الأبصار يا ذوي العقول ولا تفعلوا فعل بني النضير فينزل بكم ما نزل بهم هذا تفسير الآية. وبين الشيخ طريق المتأمل فيها للاعتبار فقال فالإخراج من الديار عقوبة بمنزلة القتل لأنه عديل القتل في قوله تعالى: {اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ} [النساء: 66] ولكونه مثل القتل أو أشد منه اختار بنو إسرائيل القتل على الجلاء, والكفر يصلح داعيا إليه أي إلى الإخراج الذي هو بمنزلة القتل; لأنه يصلح داعيا إلى القتل فيصلح داعيا إلى الإخراج أيضا وأول الحشر دلالة على تكرار هذه العقوبة لأن الأول يدل على ثان بعده, وهو إجلاء عمر كما بينا وإصابة النصرة جزاء التوكل وقطع الحيل; لأنهم لما لم يظنوا خروجهم رأوا أنفسهم عاجزين عن إخراجهم وحيلهم منقطعة عنه فتوكلوا على الله فجوزوا بالنصرة والنجاح وإن المقت أي السخط والبغض يقال: مقته أي أبغضه, والخذلان أي ترك العون والنصرة جزاء النظر إلى القوة والاغترار بالشوكة أي شدة البأس وحدة السلاح; فإنهم لما نظروا إلى قوتهم وظنوا أن حصونهم مانعتهم من الله جوزوا بذلك, ثم دعانا بقوله عز اسمه {فَاعْتَبِرُوا} إلى الاعتبار بالتأمل في معاني النص للعمل به أي لنعمل بما وضح لنا من المعنى فيما لا نص فيه فنقيس أحوالنا بأحوالهم فنحترز عن مثل ما فعلوا توقيا عن مثل ما نزل بهم فكذلك في مسألتنا هذه أي كما وجب لنا التأمل في معنى هذا النص للعمل به فيما لا نص فيه يجب التأمل في سائر النصوص لاستخراج المعاني التي تتعلق بها الأحكام بإشارة صاحب الشرع ليعمل بها فيما لا نص فيه.
قوله"وبيان ذلك"أي بيان التأمل لاستخراج المعنى الذي هو مناط الحكم بإشارة الشارع يتحقق في مسألة الربا وذلك أي ذلك البيان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الحنطة بالحنطة"الحديث, روي هذا الحديث بالرفع والنصب وعلى التقديرين لا بد من إضمار بدلالة كلمة الباء; فإنها يقتضي فعلا يلتصق بواسطتها بما دخلت فيه, وقد ذكرت في المعاوضات فيضمر فعل يناسبها فكان معنى رواية الرفع بيع الحنطة بالحنطة مثل بمثل بطريق حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ومعنى رواية النصب وهي مختارة الشيخ هاهنا بيعوا