فهرس الكتاب

الصفحة 1529 من 2201

الحرمات التي بنيت على الاحتياط فأما النسب فما بني على مثله من الاحتياط فوجب قطعه عن الاشتباه, ولا يلزم على هذا أن هذه الحرمة لا تتعدى إلى الأخوات والإخوة ونحوهم; لأن التعليل لا يعمل في تعبير الأصول وهو امتداد التحريم وهذا مما يكثر أمثلته ولا تحصى, ومن ذلك قولنا ولا نص فيه; لأن

ـــــــ

سببا للملك بالشرائط التي ثبت بها الأصل وهو وجوب الضمان لا بشروط نفسه والأصل مشروع لا عدوان فيه كالبيع فلم يلتفت بعد إلى صفة العدوان في التبع كما أن التيمم ثبت بشروط وجوب التوضؤ خلفا عنه, ولم يلتفت إلى كونه تلويثا في نفسه قال شمس الأئمة رحمه الله: إنا لا نثبت الملك بالغصب حكما له كما نوجبه بالبيع, وإنما ثبت الملك به شرطا للضمان الذي هو حكم الغصب وذلك الضمان حكم مشروع كالبيع, وكون الأصل مشروعا يقتضي أن يكون شرطه مشروعا.

وقوله: وكان هذا الأصل إلى آخره جواب عما يقال: قد أقمتم الوطء الحرام مقام الولد في إثبات حرمة المصاهرة, وما أقمتموه مقامه في إثبات النسب حتى لم تثبتوا النسب بالزنا بوجه مع أن النسب يحتاط في إثباته كما يحتاط في إثبات حرمة المصاهرة. فقال: هذا الأصل, وهو إقامة السبب مقام المسبب أصل متفق عليه فيما بني على الاحتياط من الحرمات مثل إقامة النكاح مقام الوطء في إثبات حرمة المصاهرة واستحداث الملك مقام الشغل في وجوب الاستبراء والنوم مقام الحدث في انتقاض الطهارة المتضمن لحرمة أداء الصلاة, وذلك لأن الشارع لما نهى عن الريبة كما نهى عن الربا علمنا أن الشبهة ملحقة بالحقيقة في محل الاحتياط, والسبب دال على المسبب فثبت به شبهة وجود المسبب فقام مقام حقيقة وجوده في محل الاحتياط, فأما النسب فما بني على مثله من الاحتياط; لأنه تعالى قال: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} [الأحزاب: 50] والنبي عليه السلام قطع النسب عن الزاني بقوله"وللعاهر الحجر1"فعلم أنه ليس بنظير ما نحن فيه في الاحتياط فوجب قطعه أي قطع النسب عن الوطء عند لزوم الاشتباه, وذلك في الزنا; لأن المرأة ربما يزني بها غير واحد من الرجال, وربما كانت ذات زوج مع ذلك فلو اعتبر نفس الوطء في إثبات النسب لاشتبهت الأنساب وضاع النسل وفيه من الفساد ما لا يخفى فقطع الشرع النسب عن الزاني, ولم يثبته إلا بالفراش لهذه الحكمة ألا ترى أنه لا يثبت بالوطء الحلال وهو الوطء بملك اليمين فكيف يثبت بالحرام المحض. ولا يلزم على هذا أي على ما ذكرنا أن الوطء والموطوءة يصيران بمنزلة شخص واحد بواسطة الولد وتتعدى

ـــــــ

1 أخرجه مسلم في الرضاع باب الولد حديث رق 1457 و 1458، وأبو داود حديث رقم 2273. وابن ماجة حديث رقم 2004، والإمام أحمد في المسند رقم 4/186.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت