وإذا ثبت أصل الموضوع كان حقيقة فتكون لازمة إلا بدليل ألا ترى أن أسماء الحقائق لا تسقط عن مسمياتها أبدا أو أما المجاز فيصح نفيه يقال للأب الأقرب أب لا ينفي عنه بحال ويسمى الجد أبا ويصح نفيه ثم ههنا صح أن يقال إن فلانا لم يأمر اليوم بشيء مع كثرة أفعاله وإذا تكلم بعبارة الأمر لم يستقم نفيه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: حين خلع نعليه فخلع الناس نعالهم منكرا
ـــــــ
قوله:"وإذا ثبت أصل الموضوع كان حقيقة"يعني وإذا ثبت أن لهذا المعنى عبارة موضوعة في أصل اللغة, وهي صيغة افعل مثلا كانت حقيقة في هذا المعنى لا محالة فتكون لازمة له, والضمير في كان ويكون عائد إلى أصل الموضوع. وإنما قال لازمة دون لازما; لأن الأصل الموضوع هو الصيغة المخصوصة فأنث على تأويل الصيغة وإذا كانت الصيغة التي هي أصل الموضوع لازمة لهذا المعنى لا يوجد بدونها فيمتنع ثبوته بالفعل ضرورة قوله:"إلا بدليل"أي لزوم الصيغة المخصوصة لهذا المعنى ثابت نظرا إلى أصل الوضع إلا أن يقوم دليل أنه قد يستفاد بغير الصيغة كما يستفاد بها فحينئذ ينتفي اللزوم ويثبت بدون الصيغة على خلاف الأصل.
ثم تعرض الشيخ لنفي الاشتراك عن لفظ الأمر المستلزم لنفي الإيجاب عن الفعل بطريق التوضيح فقال ألا ترى إلى آخره وهو ظاهر, قال المصنف في شرح التقويم: الفعل لا يصلح أن يكون موجبا; لأن الأمر لطلب الوجود من الغير والفعل تحقيق الوجود وليس فيه دليل طلب الوجود فلا يكون سببا لطلب الوجود; وإن دام على ذلك; لأن ما لا يدل على طلب الوجود أصلا لا يدل عليه; وإن كثر إلا أنه يدل على كونه مرضيا محمودا عنده.
قوله:"وقد قال النبي عليه السلام"هذه معارضة لما تمسكوا به من السنة, وهي ما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال خلع النبي صلى الله عليه وسلم نعليه وهو يصلي فخلع من خلفه فقال:"ما حملكم على خلع نعالكم"فقالوا رأيناك خلعت فخلعنا قال:"إن جبريل أخبرني أن في أحديهما قذرا فخلعتهما لذلك فلا تخلعوا نعالكم"1 كذا في شرح الآثار2 وفي رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بينما رسول الله رضي الله عنه يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم فلما قضى صلاته قال:"ما حملكم على إلقائكم نعالكم"قالوا رأيناك ألقيت نعليك فقال:"إن جبريل"
ـــــــ
1 أخرجه أبو داود في الصلاة حديث رقم 650 والإمام أحمد في المسند 3/92.
2 الآثار كتاب لمحمد بن الحسن الشيباني ولأبي يوسف القاضي.