فقال أهل الطرد: إنه يصير حجة بمجرد الاطراد من غير معنى يعقل وقال أئمة الفقه من السلف والخلف: إنه لا يصير حجة إلا بمعنى يعقل وهذا المعنى هو
ـــــــ
تشتمل على مكان كذا وزمان كذا ولا دخل لمثل هذه الأوصاف في الحكم بالاتفاق فعرفنا أن التعليل بجميع الأوصاف غير مستقيم; ولأن التعليل بجميع الأوصاف تعليل بما لا يتعدى; لأن جميع الأوصاف لا يوجد إلا في المنصوص عليه وذلك فاسد على ما مر بيانه.
وكما اتفقوا على عدم جواز التعليل بالجمع اتفقوا على عدم جواز التعليل بكل وصف لما بينا أنه لا تأثير لجميع الأوصاف في الحكم, ألا ترى أن الحنطة يشتمل على أنها مكيلة مطعومة مقتاتة مدخرة جب جثم شيء ولم يقل أحد إن كل وصف من هذه الأوصاف علة لحكم الربا فيها بل العلة بعض هذه الأوصاف واتفقوا أيضا على أنه لا يجوز للمعلل أن يعلل بأي وصف شاء من غير دليل; لأن ادعاه وصفا من الأوصاف أنه علة بمنزلة دعواه الحكم فكما لا يسمع منه دعوى الحكم بلا دليل لا يسمع دعوى كون الوصف علة بلا دليل. وذكر بعض الجدليين أنه لا حاجة إلى إقامة الدليل على صحة العلة ولكن للمعترض أن يبطل معنى الذي ذكره المعلل إن كان عنده مبطل فإن عجز عنه لزمه الانقياد وهذا فاسد لما قلنا إن المعلل مدع فلا يكون له بد من إقامة البرهان على دعواه لئلا يكون متحكما على شرع.
"فإن قيل"عجز السائل عن الاعتراض, أو انتفاء المفسد هو الدليل على صحة العلة"قلنا"ومن أين ثبت أن العجز عن الاعتراض يدل على صحة العلة والسائل مسترشد يطلب دليل العلة لينقاد لقضيتها فكان على المعلل إقامة الدليل وكيف يمكن جعل انتفاء المفسد دليل الصحة مع إمكان قلبه للسائل بأن يقول لا بل عدم المصحح دليل فساده. يوضحه أن المدعي لو قال للمدعى عليه عجزك عن الاعتراض على دعواي وعن نقضها دليل على صحتها فلا حاجة لي إلى إقامة البينة, أو قال المدعى عليه للمدعي عجزك عن إقامة البينة دليل على أني محق كان ذلك باطلا ولا يسقط بهذا إقامة البينة عن المدعي ولا اليمين عن المدعى عليه فكذا هاهنا, وإذا ثبت أنه لا بد من إقامة البينة على صحة العلة فاعلم أن القياس يحتاج إلى إقامة الدليل على وجوب العلة في الأصل والفرع جميعا; لأن القياس كما يتوقف على وجود العلة في الأصل يتوقف على وجودها في الفرع إلا أن وجودها في الفرع يجوز أن يثبت بسائر أنواع الأدلة من الحس ودليل العقل والعرف والشرع, ووجودها في الأصل لا يثبت إلا بالأدلة الشرعية لأن كون الوصف علة وضع شرعي كما أن الحكم كذلك فلم يمكن إثباته إلا بالدليل الشرعي والأدلة الشرعية النصوص