وقال بعض الناس, وهم المعتزلة: الحقوق متعددة وكل مجتهد مصيب فيما أدى إليه اجتهاده ثم اختلف من قال بالحقوق فقال بعضهم باستوائها في المنزلة, وقال عامتهم: بل واحد من الجملة أحق واختلف أهل المقالة الصحيحة فقال بعضهم: إن المجتهد إذا أخطأ كان مخطئا ابتداء وانتهاء, وقال بعضهم: بل هو مصيب في ابتداء اجتهاده لكنه مخطئ انتهاء فيما طلبه, وهذا القول الآخر هو المختار عندنا, وقد روي ذلك عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال: كل مجتهد مصيب والحق عند الله
ـــــــ
تعالى, وكلام رسوله, وأليق بعظمة الله, وإثبات دينه فكانوا معذورين. وكان يقول في مثبتي القدر هؤلاء عظموا الله, وفي نفاة القدر هؤلاء نزهوا الله. وهذا كله باطل بأدلة سمعية ضرورية فإنا كما نعلم أن الرسول عليه السلام أمر بالصلاة والزكاة نعلم ضرورة أنه أمر اليهود والنصارى بالإيمان به واتباعه وذمهم على إصرارهم على عقائدهم, ولذلك قاتل جميعهم, وكان يكشف عن عورة من بلغ منهم ليقتله ويعذبه ونعلم يقينا أن المعاند العارف مما يقل, وإنما الأكثر مقلده اعتقدوا دين آبائهم, ولم يعرفوا معجزة الرسول وصدقه. والآيات الدالة على هذا مما لا يحصى كقوله تعالى: {ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} [صّ: 27] {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} [صّ: 27] [الذاريات: 60] {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ} [فصلت: 23] {إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} [الجاثية: 24] {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ} [المجادلة: 18] {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [البقرة: 10] وعلى الجملة ذم المكذبين من الكفار مما لا ينحصر من الكتاب والسنة. وقولهم إنه تكليف ما ليس في الوسع فاسد; لأنه أقدرهم على إصابة الحق بما رزقهم من العقل ونصب من الأدلة وبعث من الرسل المؤيدين بالمعجزات الذين نبهوا الغفول وحركوا دواعي النظر حتى لم يبق لأحد على الله حجة بعد الرسل., وما قاله العنبري يبطل بإجماع سلف الأمة قبل حدوث المخالفين على ذم المبتدعة, ومهاجرتهم, وقطع الصحبة معهم وتشديد الإنكار عليهم مع ترك التشديد على المختلفين في مسائل الفروع. ورفع الإثم في المجتهدات الفقهية إنما كان; لأن المعقود منها هو الظن بها, وقد حصل بخلاف ما نحن فيه فإن المطلوب هو العلم, ولم يحصل. والحاصل أن أدلة التوحيد والرسالة وكل ما كان من أصول الدين ظاهرة متوافرة فلا يعذر أحد فيها بالجهل والغفلة.
قوله:"وقال بعض الناس"إلى آخره. اختلف الناس في أنه هل يكون لله تعالى حكم معين في المسألة الاجتهادية قبل الاجتهاد أم لا. فذهب كل من قال كل مجتهد مصيب مثل عامة الأشعرية والقاضي الباقلاني والغزالي والمزني وبعض متكلمي أهل الحديث, وكثير من المعتزلة كأبي هذيل والجبائي, وأبي هاشم, وأتباعهم إلى أنه لا حكم لله تعالى فيها قبل