الاجتهاد بل الحكم فيها تابع لظن المجتهد حتى كان حكم الله تعالى في حق كل مجتهد ما أدى إليه اجتهاده, وهو المراد بتعدد الحقوق, وهؤلاء يسمون المصوبة. وذهب طائفة منهم إلى أنه لم يكن حكم متعين في الحادثة قد وجد منها ما لو حكم الله تعالى منها بحكم لما حكم إلا به, وهذا هو القول بالأشبه, وهو المراد من قوله بل واحد من الجملة أحق. وفسر الغزالي هذا القول بأن لله تعالى في الحادثة حكما معينا عندهم إليه يتوجه الطلب إذ لا بد للطلب من مطلوب لكن لم يكلف المجتهد إصابته فلذلك كان مصيبا, وإن أخطأ ذلك الحكم الذي لم يؤمر بإصابته بمعنى أنه أتى ما كلف به فأصاب ما عليه. وذهب كل من قال المجتهد يخطئ أو يصيب مثل أصحابنا وعامة أصحاب الشافعي وبعض متكلمي أهل الحديث كعبد الله بن سعيد1 والحارث المحاسبي2 وعبد القاهر البغدادي وغيرهم, وإليهم أشار الشيخ بقوله: واختلف أهل المقالة الصحيحة إلى أن لله تعالى حكما معينا في الحادثة المجتهد فيها. ثم اختلفوا على خمسة أقوال فقالت طائفة منهم ليس على الحكم دليل, وإنما هو مثل دفين يعثر الطالب عليه بحكم الاتفاق فلمن عثر عليه أجران ولمن اجتهد, ولم يعثر أجر واحد لأجل سعيه وطلبه. وقال قوم عليه دليل ظني إلا أن المجتهد لم يكلف بإصابته لخفائه وغموضه فلذلك كان معذورا ومأجورا, وهو قول عامة الفقهاء. وذهبت جماعة إلى أن عليه دليلا ظنيا أمر المجتهد بطلبه فإذا أخطأ لم يكن مأجورا لكن حط عنه الإثم تخفيفا ومنهم من قال إن عليه دليلا قطعيا أمر المجتهد بطلبه فإذا أخطأ لا يصح عمله وينقض قضاء القاضي فيه, ولكن يحط عنه الإثم لغموض الدليل وخفائه, وهو قول أبي بكر الأصم وابن علية, وإليه مال الشيخ أبو منصور على ما ذكر في الميزان. وإلى هذا القول مال بشر المريسي إلا أنه قال المخطئ فيه آثم غير معذور كما في سائر القطعيات, وهو القول الخامس هذا تفصيل المذاهب على ما ذكر في عامة نسخ الأصول فالشيخ بقوله إذا أخطأ كان مخطئا ابتداء وانتهاء يعني كان مخطئا في اجتهاده, وما أدى إليه اجتهاده أشار إلى القول الرابع. وبقوله هو مصيب في ابتداء اجتهاده يعني في نفس الاجتهاد, ولكنه مخطئ فيما طلبه, وهو الحكم في الحادثة أشار إلى القول الثاني واختاره. قال القاضي الإمام أبو زيد رحمه الله قال قوم إذا لم يصب المجتهد الحق
ـــــــ
1 هو عبد الله بن سعيد بن محمد بن كلاب القطان البصري أبو محمد المتكلم المتوفي سنة240 هـ انظر معجم المؤلفين 6/59.
2 هو أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي الصوفي المتكلم توفي سنة 243 هـ انظر تهذيب التهذيب 2/134.