عند اختلاف الرسل وعلى اختلاف الزمان فكذلك عند اختلاف المكلفين, ومن قال باستواء الحقوق قال: لأن دليل التعدد لم يوجب التفاوت ووجه القول الآخر أن استواءها يقطع التكليف; لأنها إذا استوت أصيبت بمجرد الاختيار من غير
ـــــــ
الشافعي رحمه الله بإعادة صلاة من استدبر الكعبة في تحريه, ولم يأمر بإعادة صلاة من توجه إلى جهة أخرى. وقوله وجائز تعدد الحقوق جواب عن سؤال يرد عليهم, وهو أن القول بتعدد الحقوق يؤدي إلى الجمع بين المتنافيين, وهما الحل والحرمة والصحة والفساد في شيء واحد إذ يلزم أن يكون متروك التسمية عمدا حلالا وحراما, وقليل النبيذ حلالا وحراما, والنكاح الأولى صحيحا وفاسدا وذلك محال. فقال وجائز تعدد الحقوق في الحظر والإباحة يعني يجوز أن يكون الحق متعددا بأن كان الحظر حقا والإباحة حقا أيضا في شيء واحد. عند قيام الدليل على التعدد. كما صح ذلك أي التعدد عند اختلاف الرسل بأن بعث الله رسولين في قومين مختلفين على اقتصار رسالة كل واحد منهما على قومه. وعلى اختلاف الزمان كما إذا نسخ الحظر بالإباحة بالحظر في شريعة رسول واحد في زمانين. فكذلك عند اختلاف المكلفين أي فكما جاز التعدد عند اختلاف المكان والزمان جاز عند اختلاف المكلفين فيثبت الحظر في حق شخص والإباحة في حق آخر. ألا ترى أن الميتة أبيحت في حق المضطر وحرمت في حق غيره والمنكوحة أحلت للزوج وحرمت على غيره. والمطلقة ثلاثا حرمت على الزوج وأحلت لغيره فيجوز أن يثبت إباحة النبيذ في حق مجتهد وحرمته في حق آخر ويكون كل واحد منهما حقا ويلزم قوم كل واحد منهما اتباع إمامه كما في الرسولين. وهذا; لأن الله تعالى ابتلى عباده بهذه الأحكام ليمتاز الخبيث من الطيب, وقد يختلف الابتلاء باختلاف الأزمان لاختلاف أحوال الناس فيجوز أن يختلف باختلاف الطبقات في زمان واحد أيضا; لأن دليل التعدد, وهو التكليف بإصابة الحق للكل لم يوجب التفاوت بين الحقوق بل يوجب أن يكون ما أدى إليه اجتهاد كل مجتهد حقا في حقه, وإذا كان كذلك لا يمكن ترجيح البعض بلا مرجح.
قوله:"ووجه القول الآخر"وهو أن واحدا من الجملة أحق, وهو القول بالأشبه أن استواء الحقوق يقطع التكليف أي يؤدي إلى سقوط التكليف ببذل المجهود في الطلب; لأن الكل لما كان حقا عند الله تعالى على السواء لم يكن في إتعاب النفس, وإعمال الفكر في الطلب فائدة بل يختار كل مجتهد ما غلب على ظنه من غير امتحان كالمصلي في جوف الكعبة يختار أي جهة شاء من غير بذل مجهود, وإجالة تفكر لكن الفريق الأول يقولون إنما يلزم هذا لو كان ما ذهب إليه كل واحد حقا عند الله تعالى قبل الاجتهاد, وليس كذلك بل الحكم بحقية ما أدى إليه اجتهاد كل واحد تابع لاجتهاده فقبل الاجتهاد لا