العاص رضي الله عنه وبقول الله تعالى: {وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الانبياء: 79] والحكم والعلم إنما أريد به العمل فأما إصابة المطلوب فمن أحدهما, وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لمسروق والأسود كلاكما أصاب وصنيع مسروق أحب إلي فيما سبقا من ركعتي ولأن كل مجتهد يكلف بما في وسعه فاستوجب
ـــــــ
احتاطه بعض القضاة, وهو جور, وقول الشافعي رحمه الله من استحسن فقد شرع فدل ما ذكرنا أن الخطأ يصلح سببا للعتاب والإثم, وإلا لم يكن للتشنيع وجه. قوله:"واحتج أصحابنا بحديث عمرو بن العاص"فإنه عليه السلام لما قال له,"وإن أخطأت فلك حسنة", وقال في آخر:"وإن أخطأ فله أجر واحد"والخطأ المطلق لا يكون حسنة, ولا سببا للأجر بوجه عرفنا أنه مصيب في نفس الاجتهاد, ومستحق للأجر به, وإن أخطأ الحق الحقيقي. وبقول الله تعالى في قصة داود وسليمان: {وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الانبياء: 79] أخبر أنهما جميعا أوتيا من الله علما وحكما بعدما بين أن سليمان اختص بفهم ما هو الحق عند الله عز وجل, ومعلوم أن الخطأ المحض لا يكون حكم الله تعالى فيثبت أن تأويله أنه حكم الله تعالى من حيث إنه صواب في حق العمل. وهذا التمسك إنما يستقيم إذا سلم الخصم أن المراد إتيان العلم والحكم في تلك الحادثة, ولكنه لا يسلم بل يقول المراد إتيان العلم والحكم في غيرهما كما مر بيانه. وقال عبد الله كذا روي أن مسروقا وعلقمة أو الأسود سبقا بركعتين من صلاة المغرب فلما قاما إلى القضاء صلى مسروق ركعة وجلس ثم ركعة وجلس وسلم وصلى الآخر ركعتين ثم جلس فذكرا ذلك لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال كلاكما أصاب, ولكن صنيع مسروق أحب إلي فنظر أحدهما إلى الفائت, ولم يكن بينهما قعدة والآخر إلى الباقي فقوله كلاكما أصاب دل على أن كل واحد منهما مصيب, وقوله صنيع مسروق أحب إلي دل على أن الحق واحد منهما فقلنا أراد بأول الكلام أن كل واحد منهما مصيب فيما عمل باجتهاده, ومن آخره أن الحق الحقيقي مع مسروق عنده.
فإن قيل: هذا لا يدل على أن الحق واحد بل يدل على أن كلا الاجتهادين حق, ولكن العمل بما ذهب إليه مسروق أفضل كما هو مذهب القائلين بالأشبه.
قلنا: هب أنه كذلك لكنه لا يخرج من أن يكون دليلا على أن كل واحد منهما مصيب في حق العمل إلا أنه لما قام الدليل على أن الحق واحد, وأن مذهب عبد الله حيث قال, وإن أخطأت فمني, ومن الشيطان عرفنا أنه لم يرد به أن كليهما أصاب الحق حقيقة, وأن أحدهما أحق بل أراد ما ذكرنا ألا ترى أن من قال بأنه مخطئ ابتداء وانتهاء ساعدنا في أنه مخطئ للحكم فلا يمكنه حمل قوله كلاكما قد أصاب على أنهما أصابا الحكم