بشرط لصحة العلة لكنه دليل مرجح وأما الفرق فإنما فسد لوجوه ثلاثة.
ـــــــ
أن تعليل الحكم الواحد بعلتين مستقلتين أو بعلل مستقلة جائز عند جمهور الأصوليين, وأنكره بعض أصحاب الشافعي وبعض المعتزلة وعليه يبتنى اشتراط العكس, وهو انتفاء الحكم عند انتفاء العلة لصحة العلة فمن منع من تعليل الحكم بعلتين لزمه القول بانحصار علة الحكم في واحدة, ولزم منه اشتراط الانعكاس; لأن الحكم لا بد له من علة فإذا اتحدت العلة انتفى الحكم بانتفائها إذ لو بقي لكان ثابتا من غير سبب. ومن جوز تعليله بعلتين لا يلزمه القول باشتراط الانعكاس إذ لا يلزم من انتفاء بعض الأدلة انتفاء الحكم مع وجود دليل آخر.
احتج المانعون بأنه لو جاز تعليل الحكم الواحد بعلتين مستقلتين أو بعلل مستقلة لكانت كل واحدة مستقلة في التعليل غير مستقلة به, وذلك تناقض وذلك; لأن معنى كون العلة مستقلة بالتعليل ثبوت الحكم بها وحدها دون غيرها فإذا تعددت العلة يلزم من استقلال كل واحدة منها عدم استقلال كل واحدة منها لاستلزام علية كل واحدة عدم علية الغير فضلا عن استقلالها. يبينه أن الأئمة تعلقوا بالترجيح في علة الربا فرجح بعضهم الكيل وبعضهم الطعم وبعضهم القوت تفاديا عن لزوم تعليل الحكم الواحد بعلتين, ولولا امتناعه لم يرجحوا البعض بل جوزوا كون كل واحد من الثلاثة علة من صحة استقلال واحدة منها بالعلية; لأن الاستقلال من ضرورة الترجيح بعد التعارض, ولا تعارض إلا أن يكون أحدهما في قوة صاحبه أو قريبا منه فعلى هذا لولا صحة استقلال كل بالعلية لما رجحوا. واحتج من جوز ذلك بأن العلل الشرعية أمارات في الحقيقة, ولا يمتنع نصب علامتين على شيء واحد, وإنما يمتنع ذلك في العلل العقلية. ودليل جوازه وقوعه فإن الحدث يقع بالبول والغائط والمذي وخروج الدم من الجراحة معا مع استقلال كل منها في إيجاب الحدث. وكذا القتل حكم واحد; لأن إبطال حياة الواحد شيء واحد ثم إنه قد يقع بالقصاص والردة معا كمن قتل وارتد مع استقلال كل منهما في إيجاب القتل. وكذا لو جمعت لبن زوجة أخيك, ولبن أختك, وأوجرت مرتضعة دفعة منها تحرم عليك; لأنك عمها وخالها مع أن الحرمة حكم واحد معلل بالخؤولة والعمومة إذ لا يمكن أن تحال إلى أحديهما دون الأخرى.
فإن قيل: العلل إذا كانت متعددة كانت الأحكام متعددة تقديرا; لأن قتل القصاص مثلا مغاير لقتل الردة, ولذلك ينتفي قتل القصاص بالعفو ويبقى الآخر, وهو قتل الردة لعدم عوده إلى الإسلام وبالعكس إذا عاد إلى الإسلام, ولم يعف عنه ينتفي قتل الردة ويبقى قتل القصاص, ولولا تغاير القتلين لما كان كذلك. قلنا: إضافة الشيء إلى أحد دليليه لا يوجب تعددا في ذلك الشيء, وإلا لزم مغايرة حدث البول حدث الغائط, وهو باطل. وأما العقل فلا