العدم على ما مر ذكره فلأن لا يصلح دليلا عند مقابلة الحجة أولى. وأما القسم الصحيح فوجهان الممانعة والمعارضة.
ـــــــ
الفرع والأصل من أفسد الاعتراضات إلا أن يذكر معنى في الفرع يفيد خلاف الحكم الذي أفاده المعنى الأول, وأسنده إلى أصل فحينئذ يصير معارضة, ولم يبق فرقا. وأما ما ذكروا أن من شرط صحة العلة خلوها عن المعارضة فمسلم, ولكن المعارضة إنما تتحقق في حكمين على التضاد فأما إذا ذكرت علتان لحكم واحد فليس ذلك بمعارضة. وقولهم لا يصح تعليل المعلل ما لم يبطل كل ما عدا علته باطل إذ لم يكلف المعلل سوى تصحيح علته ببيان التأثير فأما السبر والتقسيم فليس بشيء, وإنما اختاره بعض المتكلمين الذين لا حظ لهم في الفقه. وكذا ما ذكروا من اعتناء السلف بالفرق ليس بصحيح إذ لم ينقل المفارقة على الوجه الذي يخوض فيه عنهم أصلا. ومن تأمل فيما نقل عنهم على أنهم كانوا يطلبون المعاني المؤثرة, وما ذكر عبد الرحمن بن عوف في قصة الإجهاض معنى صحيح, والذي أشار إليه علي رضي الله عنه معنى ألطف من الأول; لأن ما فعل عمر رضي الله عنه كان جائز الإتيان به والترك, ولم يكن على حد مضبوط في الشرع, ومثله مطلق بشرط السلامة كالمشي في الطريق, وهذا ليس من الفرق والجمع الذي نحن فيه بوجه. وما ذكروا من ظهور فقه إلى آخره ليس بصحيح أيضا; لأن المفاقهة في هذا الموضع في الممانعة دون المفارقة قال شمس الأئمة: رحمه الله من الناس من ظن أن المفارقة مفاقهة, ولعمري المفارقة مفاقهة, ولكن في غير هذا الموضع بل الاعتراض بها على العلل المؤثرة مجادلة لا فائدة فيها في موضع النزاع, وإنما المفاقهة في الممانعة حتى يبين المجيب تأثير علته فالفقه حكمة باطنة, وما يكون مؤثرا في إثبات الحكم شرعا فهو الحكمة الباطنة فالمطالبة به تكون مفاقهة فأما الاعتراض عنها والاشتغال بالفرق فيكون قبولا لما فيه احتمال أن لا يكون حجة لإثبات الحكم واشتغالا لا بإثبات الحكم بما ليس بحجة أصلا في موضع النزاع, وهو عدم العلة فتبين أن هذا ليس من المفاقهة في شيء.
قوله:"وأما القسم الصحيح"أي دفع العلل المؤثرة بالطريق الصحيح فوجهان الممانعة والمعارضة. واعلم أن الشيخ رحمه الله في هذا الباب جعل الدفع بالمناقضة, وفساد الوضع فاسدا أو الدفع بالممانعة صحيحا. واعترض عليه بأنه إن أراد بفساد القسم الأول فساده قبل ظهور أثر الوصف وصحته فذلك غير مسلم; لأن الاعتراض بالممانعة لما صح لاحتمال أن لا يكون الوصف صحيحا أو لا يكون مؤثرا صح الاعتراض بالمناقضة, وفساد الوضع أيضا كما في العلل الطردية. وإن أراد به أنه فاسد بعد ظهور صحة الوصف وتأثيره كما يدل عليه عبارة التقويم حيث قيل فيه دعوى فساد الوضع بعد ثبوته مؤثرا