الاعتراض أما الأول فأن يجعل الشيء منكوسا أعلاه أسفله وأسفله أعلاه ومثاله من الاعتراض أن يجعل المعلول علة والعلة معلولا; لأن العلة أصل والحكم تابع فإذا قلبته فقد جعلته منكوسا, وكان هذا معارضة فيها مناقضة; لأن ما جعله المعلل علة لما صار حكما في الأصل واحتمل ذلك فساد الأصل فبطل القياس, وإنما يصح هذا فيما يكون التعليل بالحكم فأما بالوصف المحض فلا
ـــــــ
الهيئة التي كان عليها أما الأول أي المعنى الأول لغة فهو أن يجعل الشيء منكوسا أعلاه أسفله بنصب اللام, وأسفله برفعها أعلاه كقلب الإناء ومثاله أي مثال هذا المعنى اللغوي من الاعتراض على التعليل جعل المعلول علة والعلة معلولا; لأن العلة أصل يعني في إثبات الحكم حيث يفتقر ثبوت الحكم إليها, ولا يفتقر وجودها إلى الحكم لسبقها عليه ذهنا كما هو مذهب العامة وزمانا كما هو مذهب البعض. والحكم تابع يعني في الوجود حيث يفتقر وجوده إليها فإذا قلبته يعني التعليل فقد جعلته منكوسا بجعل الأصل الذي هو أعلى من الفرع تابعا له وجعل الفرع الذي هو دون الأصل أعلى منه فكان هذا أي هذا النوع من القلب معارضة أي من حيث الصورة فيها مناقضة أي إبطال لتعليل المعلل.
ولم يذكر القاضي الإمام شمس الأئمة وعامة الأصوليين معنى المعارضة في هذا النوع من القلب; لأن حقيقة المعارضة, وهي ذكر دليل يوجب خلاف ما أوجبه دليل المستدل لم يوجد إذ الحكم الثابت بتعليل القالب لا يتعرض للحكم الثابت بتعليل المستدل بنفي, ولا إثبات وإنما يدل تعليله على فساد تعليل المستدل فكان هذا إبطالا لا معارضة لكن الشيخ اعتبر صورة المعارضة من حيث إن القالب عارض تعليل المستدل بتعليل يلزم منه بطلان تعليل المستدل ثم يلزم منه بطلان حكمه المرتب عليه فجعله من أقسام المعارضة ثم أقام الدليل على معنى المناقضة فقال ما جعله المعلل علة لما صار حكما في الأصل أي في المقيس عليه بتعليل القالب واحتمل ذلك أي احتمل ما جعله علة صيرورته حكما فسد الأصل أي خرج من أن يكون مقيسا عليه للمستدل في الحكم المطلوب فبقي قياسه بلا مقيس عليه فبطل وإنما يصح هذا النوع من القلب فيما إذا علل المستدل بالحكم بأن جعل حكما في الأصل علة لحكم آخر فيه ثم عداه إلى الفرع. فأما إذا علل بالوصف المحض أي بالمعنى فلا يرد عليه هذا القلب; لأن الوصف لا يصير حكما بوجه, ولا يصير الحكم الثابت علة له أصلا; لأنه سابق على الحكم فإذا عللنا في الجص مثلا بأنه مكيل جنس فيجري فيه الربا كالحنطة لا يمكن قلبه بأن يقال إنما كانت الحنطة مكيل جنس; لأنه يجري فيه الربا; لأن كونه مكيل جنس سابق عليه.