وكذلك الحال واحتمال أن يكون من الاستقبال لا يخرجه عن موضوعه, فكذلك صيغة الأمر لطلب المأمور به فيكون حقا لازما به على أصل الوضع ألا ترى أن الأمر فعل متعد لازمه ائتمر, ولا وجود المتعدي إلا أن يثبت لازمه كالكسر لا يتحقق إلا بالانكسار فقضية الأمر لغة أن لا يثبت إلا بالامتثال إلا أن ذلك لو ثبت بالأمر نفسه لسقط الاختيار من المأمور أصلا
ـــــــ
يأتمر كما صح أن يقال أمرته فائتمر ولا يصح أن يقال كسرته فلم ينكسر"قلنا"أنا لا ننكر أن الائتمار متعد في ذاته ولكن ما هو متعد إلى مفعول واحد قد يكون لازما بالنسبة إلى ما هو متعد إلى مفعولين للزومه على الفاعل والمفعول الواحد وعدم تعديه إلى المفعول الآخر فيصلح أن يكون لازما أي مطاوعا لما هو متعد إلى مفعولين كما يقال علمته القرآن فتعلمه وأطعمته الطعام فطعمه وكسوته الثوب فاكتساه والأمر متعد إلى مفعولين إلى أحدهما بنفسه وإلى الآخر بالباء يقال أمرت زيدا بكذا فيصلح أن يكون الائتمار لازما له, وأما قوله الائتمار ليس بلازم حقيقي له لتحقق الأمر بدونه فالجواب عنه ما ذكر في الكتاب. وهو أن الائتمار لازم الأمر في الأصل لما ذكرنا أن المقصود منه حصول الفعل كما أن الغرض من الكسر حصول الانكسار ولهذا يقال أمرته فائتمر كما يقال كسرته فانكسر فكما لا يتحقق الكسر بدون الانكسار فكذلك ينبغي أن لا يتحقق الأمر بدون الائتمار بالنظر إلى الأصل إلا أن الائتمار لو جعل لازم الأمر كما هو مقتضى الأصل حتى يثبت الائتمار بنفس الأمر لسقط الاختيار من المأمور أصلا وصار ملحقا بالجمادات وفيه نزوع إلى مذهب الجبر فلذلك نقل الشرع حكم الوجود, وهو كونه لازما للأمر عنه إلى الوجوب لكونه مفضيا إلى الوجود نظرا إلى العقل والديانة فصار الوجوب لازما للأمر بعدما كان الوجود لازما له. وقوله حقا أي ثابتا حال عن الوجوب, وقوله بالأمر متعلق بحقا قال الشيخ رحمه الله في نسخة أخرى فاجتمع ههنا ما يوجب الوجود عقيب الأمر وما يوجب التراخي; لأن اعتبار جانب الأمر يوجب الوجود عقيبه واعتبار كون المأمور مخاطبا مكلفا يوجب التراخي إلى حين إيجاده فاعتبرنا المعنيين وأثبتنا بالأمر آكد ما يكون من وجوه الطلب, وهو الوجوب خلفا عن الوجود وقلنا بتراخي حقيقة الوجود إلى اختياره وقال أبو اليسر: الائتمار من حكم الأمر كما أن الانكسار من حكم الكسر إلا أن حصوله بفعل مختار فيقتضي وجوب الفعل حتى يحصل الائتمار فإن الائتمار لا يحصل بدونه والدليل على أنه من حكم الأمر أن المأمور إذا لم يكن ذا اختيار في الائتمار يحصل الائتمار عقيب الأمر بلا واسطة كالانكسار عقيب الكسر قال الله تعالى لقوم موسى: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65] وقد حصل الائتمار عقيب