يطلبه إلا بلفظ الأمر, والدليل المعقول أن تصاريف الأفعال وضعت لمعان على الخصوص كسائر العبارات فصار معنى المضي للماضي حقا لازما إلا بدليل
ـــــــ
لإظهار هذا المقصود سوى الأمر; لأن قولهم أوجبت عليك كذا أو ألزمت أو أطلب منك كذا وأمثالها يدل عليه أيضا ألا ترى أن النبي عليه السلام لو قال أوجبت عليكم كذا أو ألزمت كان ذلك بمنزلة قوله افعلوا كذا في وجوب الفعل بالاتفاق, لأنا نقول لا دلالة لما ذكرت على المطلوب من صيغ الأمر حقيقة; لأنه إخبار عن الإيجاب والطلب لا إنشاء وكلامنا فيه; ولهذا يجري فيه التصديق والتكذيب ولا مدخل لهما في الإنشاء إلا أنه قد يراد به الإنشاء, ويصير كناية عن الأمر فحينئذ يثبت به الإلزام بطريق الاقتضاء كما عرف وصار معناه أوجبت عليك كذا لأني أمرتك به, كسائر العبارات من الأسامي مثل رجل وفرس وحمار والحروف مثل من وعن وإلى وعلى, إلا بدليل كلحوق حرف الشرط به في قولك إن فعلت كذا فعبدي حر وكعدم إمكان إجرائه على حقيقته مثل الإخبار عن أمور القيامة بصيغة الماضي كقوله تعالى: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} [فاطر: 34] {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ} [الزمر: 74] {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الزمر: 71] {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا} [الزمر: 73] , عبر بها عن الماضي لتحققه وكونه ثابتا لا محالة كأنه تحقق ومضى, وكذلك الحال أي كما أن معنى المضي للماضي لازم, فكذلك معنى الحال لصيغة المضارع لازم إلا بدليل, واحتمال أن يكون المضارع للاستقبال لا يخرجه عن موضوعه, وهو الحال وهذا على مذهب بعض النحاة وبعض الفقهاء فإنهم قالوا في قول الرجل كل مملوك أملكه فهو حر أنه يتناول ما هو في ملكه في الحال ولا يتناول ما سيملكه على ما عرف في شرح الجامع الصغير, فكذلك صيغة الأمر لطلب المأمور به فيكون المأمور به حقا لازما بالأمر في أصل الوضع ليفيد الأمر فائدته., وقوله ألا ترى متصل بقوله حقا لازما, أو هو توضيح لما ثبت بهذه الدلائل;; لأن جميعها يدل على أن موجب الأمر هو الوجود إلا قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ} [النور: 63] فإنه يدل على أن موجبه الوجوب فاستوضح ذلك بقوله ألا ترى أن الأمر فعل متعد إلى آخره.
"فإن قيل"لا يستقيم أن يكون الائتمار أي الامتثال لازما للأمر; لأنه إن أراد به اللازم اللغوي فالائتمار ليس كذلك; لأنه متعد يقال ايتمر زيد عمرا واللازم إنما سمي لازما للزومه على الفاعل وعدم تعديه إلى الغير, وإن أراد به اللازم الحقيقي الذي ينتفي الملزوم بانتفائه فالائتمار ليس كذلك أيضا; لأن الأمر يتحقق بدون الامتثال ألا ترى أن الأمر قد يتحقق من الله تعالى للكفارة بالإيمان بدون الائتمار منهم ولهذا صح أن يقال أمرته فلم