يرتب على الدليل حكما يلزم منه إبطال مذهب المستدل مثال الأول ما لو قال الحنفي في مسألة الاعتكاف: لبث مخصوص فلا يكون قربة بنفسه بل لا بد من اعتبار عبادة في كونه قربة كالوقوف بعرفة فيقول الشافعي: لبث مخصوص فلا يكون الصوم من شرطه كالوقوف بعرفة فقد تعرض كل منهما لتصحيح مذهبه إلا أن المستدل أشار بعلته إلى اشتراط الصوم بطريق الالتزام والمعترض أشار إلى نفي اشتراطه صريحا. وقد يتفق تعرض كل منهما لتصحيح مذهبه صريحا كقول الشافعية في إزالة النجاسة طهارة تراد لأجل الصلاة فلا تجوز بغير الماء كطهارة الحدث, وقول الحنفية اعتراضا طهارة لأجل الصلاة فتصح بغير الماء كطهارة الحدث فقد تعرض كل منهما لتصحيح مذهبه صريحا. ومثال الثاني ما لو قال الحنفي في مسألة مسح الرأس عضوا من أعضاء الوضوء فلا يكتفي فيه بأقل ما ينطلق عليه اسم الرأس كغيره من أعضاء الوضوء فيقول الشافعي عضو من أعضاء الوضوء فلا يتقدر بالربع كسائر أعضاء الوضوء فقد تعرض كل منهما في دليله لإبطال مذهب خصمه صريحا وليس ما يدل على تصحيح مذهب أحدهما فإنه لا يلزم من إبطال كل منهما تصحيح الآخر لجواز أن يكون الصحيح مذهب مالك رحمه الله, وهو الاستيعاب, وإنما يلزم ذلك لو كان القائل في المسألة قائلين, والاتفاق واقعا على نفي قول ثالث. ومثال الثالث: ما لو قال الحنفي في مسألة بيع الغائب عقد معاوضة فيصح مع الجهل بالمعوض كالنكاح. فيقول الشافعي عقده معاوضة فلا يشترط فيه خيار الرؤية كالنكاح فالمعترض لم يتعرض لإبطال مذهب المستدل وهو القول بالصحة صريحا بل بطريق الالتزام; لأن من قال بالصحة قال بخيار الرؤية فهما متلازمان عنده فيلزم من انتفاء خيار الرؤية انتفاء الصحة.
قلت هذه أقيسة ليست بمناسبة فضلا من أن تكون مؤثرة بل بعضها طردية وبعضها شبهية فأصحاب أبي حنيفة رحمه الله الشارطون للتأثير المعترضون من الطرد والشبه كيف يخطر ببالهم مثل هذه الأقيسة, وكيف يعللون بها, والالتفات إلى مثلها ليس من دأبهم وهجيرهم لكن المخالفين وضعوها من عند أنفسهم ونسبوها إلى أصحابنا, وأوردوها أمثلة في كتبهم ليتضح فهم أقسام القلب التي ذكروها ثم ذكروا أن القلب على الأوجه التي ذكرناها نوع معارضة لكنها تفارق مطلق المعارضة بأنها نشأت من نفس دليل المستدل, وبأنها لا يمكن فيها الزيادة على العلة لوجوب اتحاد العلة فيها, وبأنها لا يمكن فيها منع وجود العلة في الفرع والأصل; لأن أصل القالب, وفرعه هو أصل المستدل. وفرعه بخلاف سائر المعارضات فيما ذكرنا ولهذا كان القلب أولى بالقبول من مطلق المعارضة