ووجه القول الآخر أن معنى الإباحة أو الندب من الوجوب بعضه في التقدير كأنه قاصر لا مغاير; لأن الوجوب ينتظمه وهذا أصح.
ويتصل بهذا الأصل أن الأمر بعد الحظر لا يتعلق بالندب والإباحة
ـــــــ
الشيخ في قوله وزعم بعضهم, وعرفت أيضا أن قوله وهذا أصح مخالف لقول العامة بل للإجماع على ما ذكره أبو اليسر ووجهه ما ذكر في بعض الشروح أن الندب والإباحة ليسا بمغايرين للوجوب; لأن الغيرين موجودان جاز وجود أحدهما بدون الآخر على ما عرف في مسألة الصفات والوجوب لا يتصور بدون الإباحة والندب فلم يكونا مغايرين للوجوب; فلهذا كان الأمر حقيقة فيهما وظهر مما ذكرنا أنه لم يتجاوز عن موضوعه فكيف يسمى مجازا, ولكن لقائل أن يقول قد بينا أن معنى الندب الثواب على الفعل وعدم العقاب على الترك ومعنى الإباحة التخيير بين الفعل والترك والوجوب يتصور بدون هذين المعنيين بل لا يثبت معهما كما يتصور الندب والإباحة بدون الوجوب فكان مغايرا لهما ألبتة فيكون مجازا فيهما.
وقوله زعم معناه قال لكن من عادة العرب أن من قال كلاما, وكان عندهم كاذبا فيه قالوا زعم فلان وإذا كان صادقا عندهم قالوا قال فلان ومنه قيل زعم كنية الكذب, وفي التحقيق الزعم ادعاء العلم بالشيء ولا علم ومنه قوله تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا} [التغابن: 7] وقوله عليه السلام:"بئس مطية الرجل زعموا"1.
ـــــــ
1 اخرجه أبو داود في الأدب حديث رقم 4972 والإمام أحمد في المسند 4/119 والبخاري في الأدب المفرد حديث رقم 762.