ضمان في دار الجزاء فكان تأخرا والأول إبطالا والتأخير أهون من الإبطال وهذا كذلك في عامة الأحكام فأما ضمان العقد فباب خاص فكان ما قلناه أولى. وأما الثالث, وهو كثرة الأصول فهو من جنس الإشهار في السنن, وهو قريب من القسم
ـــــــ
الاستيفاء, ولا يلزم عليه الشاهد على إبراء الدين إذا رجع فإنه يضمن النقد, وله فضل على الدين; لأنا نقول: إنه أتلف على المشهود عليه دينا يتعين بالقبض فيضمن دينا يتعين بالقبض فليس فيه إيجاب فضل. وأما ما اعتبر من ترجيح جانب المظلوم فهو ضعيف جدا; لأن الظالم لا يظلم, ولكن ينتصف منه مع قيام حقه في ملكه فلو لم يوجب الضمان سقط حق المظلوم لا بفعل مضاف إلينا وعند إيجاب الضمان سقط حق الظالم في الوصف بمعنى مضاف إلينا, وهو أنا نلزمه إذا ذلك بطريق الحكم به عليه, ومراعاة الوصف في الوجوب كمراعاة الأصل ألا ترى أن في القصاص الذي يبتني على المساواة التفاوت في الوصف يمنع جريان القصاص كالصحيحة مع الشلاء, ولا ينظر إلى ترجيح جانب المظلوم, وإلى ترجيح جانب الأصل على الوصف فعرفنا أن قوة الثبات فيما قلنا, كذا ذكر شمس الأئمة رحمه الله.
قوله:"وأما الثالث, وهو كثرة الأصول"معنى الترجيح بكثرة الأصول أن يشهد لأحد الوصفين أصلان أو أصول فيرجح على الوصف الذي لم يشهد له إلا أصل واحد مثل وصف المسح في مسألة التثليث فإنه لما شهد لصحة التيمم ومسح الخف, ومسح الجبيرة وغيرها, ولم يشهد لصحة وصف الخصم, وهو الركنية إلا الغسل ترجح عليه.
ثم زعم بعض أصحابنا وبعض أصحاب الشافعي أن الترجيح بكثرة الأصول غير صحيح; لأن كثرة الأصول في القياس بمنزلة كثرة الرواة في الخبر, والخبر لا يترجح بكثرة الرواة على ما مر بيانه. فكذا هذا; ولأنه من جنس الترجيح بكثرة العلة; لأن شهادة كل أصل بمنزلة علة على حدة, وعند الجمهور هو صحيح; لأن الحجة هي الوصف المؤثر, الأصل المستنبط منه لكن كثرة الأصول يوجب زيادة تأكيد ولزوم للحكم بذلك الوصف من وجه آخر غير ما ذكرنا من شدة التأثير والثبات على الحكم فيحدث بها قوة في نفس الوصف فلذلك صلحت للترجيح فهو أي الوجه الثالث من الترجيح من جنس الاشتهار في السن فإن كثرة الرواة ليست بحجة بل الخبر هو الحجة, ولكن يحدث بكثرة الرواة قوة وزيادة اتصال في نفس الخبر فيصير مشهورا أو متواترا فيترجح على ما ليس بتلك الصفة فتبين بما ذكرنا أنه في الحقيقة ترجيح الوصف القوي على ما ليس بقوي لا ترجيح الأصول على أصل, وهو أي الترجيح بكثرة الأصول قريب من القسم الثاني, وهو الترجيح بقوة إثبات من هذا الباب أي باب الترجيح. قال شمس الأئمة رحمه الله: وما من نوع من هذه