لأن الحرمة عندنا في الأصل متناهية فصحت الممانعة. ومثله ما قلنا في قولهم ثيب ترجى مشورتها فلا تنكح كرها يقال له ما معنى الكره فلا بد من أن يقال: عدم رأيها فيقال في الأصل عدم الرأي غير مانع لكن الرأي القائم المعتبر مانع ولم يوجد في الفرع رأي معتبر. ومثله قوله ما يثبت مهرا دينا يثبت سلما
ـــــــ
فصحت الممانعة أي ممانعة الحكم على التقديرين. فإن قال: لا حاجة إلى بيان أنها مطلقة أو موقتة لا نسلم له ذلك; لأن الحرمة الموقتة إلى غاية غير الحرمة المطلقة والحكم الذي يقع التعليل له لا بد من أن يكون معلوما متحدا في الأصل والفرع فيظهر حينئذ حرف المسألة وهو أن الحكم حرمة نزول بالمساواة كيلا لا حرمة مطلقة فلا يثبت إلا في محل قابل للمفاضلة الحرمة والمساواة فلا تنكح كرها يعني قياسا على الثيب البالغة يقال له: ما معنى الكره أي ما تعني بقولك لا تنكح كرها فلا بد من أن يقول: أريد أنها لا تنكح بدون رأيها إذ ليس هناك إكراه تخويف. فيقال في الأصل وهو البالغة عدم رأيها غير مانع عن صحة التزويج ونفوذ ولاية الغير عليها فيكون هذا ممانعة الحكم في الأصل, لكن الرأي القائم المعتبر مانع ولم يوجد في الفرع رأي معتبر فيكون هذا ممانعة الحكم في الفرع. وتبين به حرف المسألة وهو أن المعتبر في ثبوت الولاية هو الصغر عندنا دون البكارة وعنده على العكس وحقيقة المعنى فيه أن النكاح من المضار وضعا في جانب المرأة على أصل الشافعي; لأن حكمه إثبات الملك عليها وسلب موجب الحرية وهو إرقاق من وجه ولهذا صينت الأم عن نكاح الابن والمسلمة عن نكاح الكافر وإنما تحمل ذلك لمصلحة حاجتها إلى اقتضاء الشهوة كما يتحمل قطع اليد عند وقوع الأكلة ولا حاجة إلا بعد البلوغ فينبغي أن لا يثبت الجواز قبله إلا أنه جوز في حق البكر قبل البلوغ لدليل قام لنا على أن إجبارها على النكاح جائز فلا معنى للتوقيف على حال البلوغ إذا لم يعتبر إذنها بعده وفي حق الثيب التوقف مفيد فيؤخر إلى حال البلوغ لئلا يؤدي إلى تفويت الإذن عليها وعندنا النكاح من المصالح وضعا في جانبها; لأنه لتحصيل السكن والازدواج والولد واقتضاء الشهوة وكلها من المصالح وما أثبت من الملك فلما كان الحجر عليها لتحقيق المصلحة فلا يجوز أن يجعل ذلك أصلا فيخرج به عن عداد المصالح إلى ما هو من المضار بل نجعل الملك تابعا لإقامة المصلحة ومتى كان النكاح مصلحة كان الأصل فيه التحصيل وهي عاجزة عن التحصيل لصغرها فأقيم الولي مقامها كما في البكر.
قوله:"ومثله قولهم"أي مثل قولهم فيما مضى من المسائل قولهم في تجويز السلم في الحيوان ما يثبت دينا مهرا في الذمة يثبت دينا سلما كالمقدر المذروع والمكيل والموزون سوى الذهب والفضة. فيقال له أثبت دينا في الذمة معلوم بوصفه الباء للسببية