الوضوء تطهير حكمي; لأنه لا يعقل بالعين نجاسة فكان كالتيمم في شرط النية لتحقيق التعبد بخلاف غسل النجس ونحن نقول: إن الماء في هذا الباب عامل بطبعه وكان القياس غسل كل البدن; لأن مخرج النجاسة غير موصوف بالحدث وإنما البدن موصوف فوجب غسل كله. إلا أن الشرع اقتصر على أطراف البدن الأربعة التي هي مثل حدود البدن وأمهاته في هذا المعنى تيسيرا فيما يكثر
ـــــــ
تحقيقا لمعنى التعبد إذ العبادة لا تتأدى بدون النية. بخلاف غسل النجس; لأنه معقول المعنى إذ المقصود فيه إزالة عين النجاسة عن المحل لا معنى التعبد فلا يتوقف على النية. وذكر القاضي الإمام أبو زيد رحمه الله أن التيمم بدل فلو لم يكن النية شرطا في الأصل لما كانت شرطا في البدل; لأن النية لتحصيل معنى العبادة ومتى لم يكن معنى العبادة ثابتا في الأصل لا يثبت في البدل كما في إبدال الغصوب وعكسه إبدال الكفارات.
ونحن نقول: إن الماء في هذا الباب أي في الغسل عامل أي في التطهير بطبعه كما أنه مزيل ومر بطبعه; لأنه خلق طهورا في الأصل قال الله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48] والطهور هو الطاهر بنفسه المطهر لغيره كذا فسره ثعلب من أئمة اللغة أو هو مبالغة في صفة الطهارة وذلك بأن يكون مؤثرا في غيره وإذا كان كذلك يعمل في التطهير من غير قصد كما يعمل في الرأي من غير قصد وكما تعمل النار في الإحراق من غير قصد, ثم أشار إلى الجواب عن قوله هو تطهير حكمي; لأنه لا يعقل بالغين نجاسة فقال وكان القياس غسل كل البدن اعتبارا بما لو تنجس بدنه حقيقة وذلك; لأن بخروج النجاسة يثبت صفة الحدث بلا شبهة ومعلوم أن مخرج النجاسة غير موصوف بالحدث وحده فإنه لا يقال دبر محدث ولا فرج حائض وإنما البدن كله موصوف به أي بالحدث شرعا وعرفا وحقيقة. أما شرعا فلأنه يمنعه من أداء الصلاة وإن غسل المخرج وأما عرفا فلأنه يقال: رجل محدث وامرأة حائض كما يقال: رجل عالم ومؤمن وإن كان العلم والإيمان قائمين بالقلب وأما حقيقة فلأن نفيه لا يصح لا يقال إنه ليس بمحدث وإنه ليس بعالم وإنما المحدث فرجه والعالم قلبه بل يكذب نافيه كذا قيل فثبت أن البدن كله موصوف بالحدث دون موضع الخروج ألا ترى أن غسله ليس بشرط ولو كان هو الموصوف بالحدث لكان هو أولى بوجوب الغسل. وإذا ثبت ذلك ينبغي أن يجب غسل كل البدن.
إلا أن الشرع اقتصر إلى آخره يعني, لكن الشرع اقتصر على بعض الأعضاء تيسيرا ودفعا للحرج في الحدث الذي يكثر وقوعه وعين هذه الأعضاء; لأنها حدود البدن فإن