في محاجة اللعين فإنه انتقل إلى دليل آخر لإثبات ذلك الحكم بعينه كما قص الله عز وجل عنه بقوله: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} [البقرة: 258] والصحيح أن مثل هذا يعد انقطاعا; لأن النظر شرع لبيان الحق فإذا لم يكن متناهيا لم يقع به الإبانة كما إذا لزمه النقض لم يقبل منه الاحتراز بوصف زائد فلأن لا يقبل منه التعليل المبتدأ أولى عليه فليس ما في قصة الحجة إبراهيم صلوات الله عليه من هذا القبيل; لأن الحجة الأولى
ـــــــ
أن نقول في هذه المسألة بعدما سلم الخصم إن هذا العقد بنفسه لا يمنع الصرف إلى الكفارة هذه رقبة مملوكة فوجب أن يجوز صرفها إلى الكفارة قياسا على ما ذكرنا, ولكن مثل ذلك التعليل الذي يحتاج فيه إلى الانتقال إلى علة أخرى وحكم آخر لا يخلو عن ضرب غفلة حيث لم يعرف المعلل موضع الخلاف في ابتداء تعليله.
قوله:"أما الرابع"وهو الانتقال عن علة إلى علة أخرى لإثبات الحكم الأول فصحيح عند بعض أهل النظر; لأن إبراهيم صلوات الله عليه حين حاج اللعين وهو نمرود بن كنعان وكان يدعي الألوهية بقوله: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} [البقرة: 258] وعارضه اللعين بقوله: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} [البقرة: 258] انتقل إلى حجة أخرى وهي قوله: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} وكان هذا منه انتقالا إلى علة أخرى لإثبات ذلك الحكم الذي رام بالحجة الأولى هو بيان أن الألوهية لله تعالى وحده لا شريك له فيها وقد ذكر الله تعالى ذلك منه على سبيل المدح له به فثبت أنه صحيح وكذلك المدعي إذا أقام شاهدين فعورض بجرح فيهما كان له أن يقيم شاهدين آخرين لإثبات مدعاه والصحيح أن مثل هذا الانتقال يعد انقطاعا; لأن المناظرة شرعت لإبانة الحق فإن تفسير المناظرة النظر من الجانبين في النسبة بين الشيئين لإظهار الصواب. فإذا لم يكن أي النظر أو الدليل متناهيا لم يقع به إبانة الحق يعني لوجود الانتقال ولم يجعل انقطاعا لطال مجلس المناظرة من غير حصول المقصود وهو إبانة الحق; لأن المعلل كلما رد عليه دليل يتعلق بآخر فلا ينتهي المناظرة ولا يحصل المرام وهذا نظير نقض يتوجه على العلة فإنه يعد انقطاعا ولا يصح من المعلل إدراج وصف زائد يحصل به الاحتراز عن النقض مع أنه ساع في تصحيح العلة التي ذكرها وإن الوصف الزائد ليس بعلة بنفسه فلأن يعد انقطاعا مع أنه تعليل مستبد تام بنفسه دال على أن العلة الأولى غير صالحة أصلا لإثبات الحكم المطلوب بها كان أولى.
فأما قصة إبراهيم عليه السلام فليس من هذا القبيل أي من قبيل الانتقال الفاسد;