الشريعة وكل واحد منهما شرع مؤنة لحفظ الأرض وإنزالها ولذلك لا يبتدأ على المسلم وجاز البقاء عليه; لأنها لما تردد لا يجب بالشك ولم يبطل به وكذلك قال محمد رحمه الله في العشر. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى:
ـــــــ
تعلقه بالنماء وهو الخارج كتعلق الزكاة به أو باعتبار أن مصرفه الفقراء كمصرف الزكاة تحقق فيه معنى العبادة وأخذ شبها بالزكاة إلا أن الأرض أصل والنماء وصف تابع وكذا المحل شرط والشرط تابع فكان معنى المئونة فيه أصلا ومعنى العبادة تبعا حتى لا يبتدأ على الكافر; لأن معنى القربة وإن كان تابعا, لكن الكافر ليس بأهل للقربة بوجه وأجاز محمد رحمه الله بقاءه على الكافر باعتبار معنى المئونة كما سنبينه والخراج مئونة; لأنه سبب بقاء الأرض كالعشر فيها معنى العقوبة; لأن سببه أي سبب شرعيته في الأصل أو سبب وضعه على الأرض لا سبب وجوبه فإنه هو الأرض على ما مر الاشتغال بالزراعة فإن الإمام إذا فتح بلدة عنوة وأقر أهلها فلم يسلموا واشتغلوا بالزراعة وضع على جماجمهم الجزية وعلى أراضيهم الخراج فكان سبب وضعه الاشتغال بالزراعة وهو سبب الذل في الشريعة على ما قال عليه السلام حين رأى آلة الزراعة في دار قوم:"ما دخل هذا دار قوم إلا ذلوا"وذلك لما في الاشتغال بالزراعة عمارة الدنيا والإعراض عن الجهاد وهما من عادة الكفار فكان وجوب الخراج باعتبار الأرض مئونة وباعتبار الاشتغال بالزراعة عقوبة. وكل واحد من العشر والخراج شرع مئونة لحفظ الأرض وإنزالها كما بيناه مشبعا في باب بيان أسباب الشرائع إلا أن صاحب الشرع جعل في العشر معنى العبادة كرامة للمسلمين وجعل في الخراج معنى العقوبة إهانة للكافرين وإنزال الأرض ريعها وما يحصل منها جمع نزل وهو الزيادة والفضل وذكر في الأسرار أن الخراج في الأراضي أصل; لأنه كان موجودا قبل الإسلام, لكن الشرع نقل عنه إلى العشر في حق المسلمين وأوجب الصرف إلى مصارف الزكاة ليصير به نوع عبادة تكرمة للمسلمين ولذلك أي ولكون الخراج متضمنا معنى العقوبة والذل لا يبتدأ الخراج على المسلم حتى لو أسلم أهل الدار طوعا أو قسمت الأراضي بين المسلمين لم يوضع الخراج على أراضيهم وجاز البقاء أي بقاء الخراج على المسلم حتى لو اشترى من كافر أرض خراج أو أسلم الكافر وله أرض خراج يؤخذ منه الخراج دون العشر; لأن الخراج لما تردد بين المئونة والعقوبة لم يجب بالشك أي لم يمكن إيجابه على المسلم ابتداء بمعنى المئونة لمعارضة معنى العقوبة إياه ولم يبطل به يعني لا يسقط بعد الوجوب بالشك أيضا فإنه لو سقط لسقط باعتبار معنى العقوبة وقد عارضه معنى المئونة فإنه يوجب البقاء فلا يسقط بالشك. وكذلك قال محمد رحمه الله في العشر أي وكما قالوا جميعا في الخراج قال محمد في العشر يعني لا يبتدأ العشر على الكافر ولكن يجوز البقاء عليه حتى لو ملك الذمي أرضا عشرية تبقى عشرية كما كانت;