فهرس الكتاب

الصفحة 1853 من 2201

وقد وجدنا ما يجب عقوبة ويستوفى عبادة كالحدود; لأن إقامة السلطان عبادة

ـــــــ

هذه الجناية معصية خالصة كالجنايات الموجبة للحدود, لكن الصوم لما لم يكن حقا مسلما إلى صاحب الحق تاما وقت الجناية إذ الجناية عليه بالإفطار لا يتصور بعد التمام صار أي التعدي بالإفطار قاصرا في كونه جناية فيتمكن باعتبار القصور شبهة إباحة فيه فتعذر إيجاب الزاجر الذي هو عقوبة محضة فأوجبناه أي الزاجر بالوصفين وهما العبادة والعقوبة وجعلنا معنى العقوبة في الوجوب ومعنى العبادة في الأداء دون عكسه; لأنا وجدنا ما يجب بطريق العقوبة ويستوفى بطريق العبادة كالحدود; لأن إقامتها من السلطان عبادة إذ هو مأمور بإقامتها حتى يثاب على الإقامة ويعاقب على تركها ولم نجد ما يجب بطريق العبادة ويستوفى بطريق العقوبة أصلا فعلى هذا الطريق لا يحتاج إلى الجواب عما إذا زنى في نهار رمضان أو شرب الخمر عمدا حيث تجب الكفارة; لأن القصور في الجناية من الوجه الذي ذكره موجود فيمكن إيجاب الكفارة التي هي عقوبة قاصرة عليه وعلى الوجه الذي تقدم بيانه في دلالة النص يحتاج إلى الجواب عنه وقد بيناه هناك وذكر الشيخ أبو المعين رحمه الله في طريقته أن تعلق العبادة بما هو معصية في نفسه جائز إذا كان وجوبها بطريق التكفير وكانت جهة الزجر فيها راجحة إذ لا استحالة في ذلك إنما الاستحالة في جعل المعصية سببا لوجوب عبادة يتوصل بها إلى الجنة; لأن العبادة مع حكمها وهو الثواب الموصل إلى الجنة يصيران من أحكام المعصية فتصير المعصية بواسطة حكمها سببا للوصول إلى الجنة وهو محال; لأنها جعلت من أسباب استيجاب النار فأما عبادة حكمها تكفير المعصية ومحو أثرها فلا استحالة في جعل المعصية سببا لها خصوصا إذا صار معنى الزجر فيها مقصودا ولا يقال لو جوزنا هذا لصارت المعصية ماحية أثر نفسها بواسطة وهي العبادة ومن المحال أن يكون الشيء موجبا بطلان نفسه; لأنا نقول: لا استحالة في كون الشيء بواسطة حكمه موجبا عدم نفسه إذا كان ذلك الموجب يتعقبه وإنما يستحيل إذا كان يقارنه; لأن اقتران ما يوجب عدمه بحالة وجوده يؤدي إلى المناقضة وحكم المعصية هاهنا وجوب الكفارة لا وجودها والموجب لمحو أثر المعصية وجود الكفارة; لأن حصول الثواب الذي به يحصل المحو يتعلق بالوجود وبالوجوب وهو متعقب عن المعصية لا محالة لتعقب وجود الكفارة وجوبها فلم يكن في هذا استحالة ألا ترى أنه يجوز أن تكون الحدود أحكاما للمعاصي وإن كانت هي كفارات لها بشهادة صاحب الشرع ولم يلزم من ذلك استحالة فكذا فيما نحن فيه.

قوله:"ولهذا"أي لوجوب هذه الكفارة بطريق العقوبة حتى سقطت بالشبهة قلنا بتداخل الكفارات في الفطر حتى لو أفطر مرارا في رمضان واحد من غير تكفير لم يلزمه إلا كفارة واحدة ولو أفطر في رمضانين ولم يكفر للمرة الأولى فكذلك في رواية الطحاوي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت