الصحيح في الباب هو قولنا إن العقل معتبر لإثبات الأهلية وهو من أعز النعم خلق متفاوتا في أصل القسمة وقد مر تفسيره قبل هذا أنه نور في بدن الآدمي مثل الشمس في ملكوت الأرض تضيء به الطريق الذي مبدؤه من حيث ينقطع
ـــــــ
[لأعراف: 185] {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ*وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} [الذريات: 20, 21] في شواهد لها كثيرة فثبت أن وجوب الاستدلال لا يتوقف على الوحي وأن العذر ينقطع بالعقل وحده إذ لو لم يكن به كفاية المعرفة لما انقطع به العذر, وبأن المعجزة بعد الدعوة لا تعرف إلا بدليل عقلي وآيات الحدث في العالم أدل على المحدث من علامات المعجزة على أنها من الله تعالى فلما كان بالعقل كفاية معرفة المعجزة والرسالة كان به كفاية معرفة الله تعالى بالطريق الأولى ولما كان بالعقل كفاية كان بنفسه حجة بدون الشرع ولزم العمل به كما يجب وبالشرع وبسائر الحجج إذا قامت كذا في التقويم والأسرار.
قوله:"والقول الصحيح هو قولنا أن العقل"غير موجب بنفسه لا كما قال الفريق الأول وغير مهدر أيضا لا كما قال الفريق الثاني فإن من أنكر معرفة الله تعالى بدلالات العقول وحدها فقد قصر. ومن ألزم الاستدلال بلا وحي ولم يعذره بغلبة الهوى مع أنه ثابت في أصل الخلقة فقد غلا بل العقل معتبر لإثبات الأهلية أي أهلية الخطاب إذ الخطاب لا يفهم بدون العقل وخطاب من لا يفهم قبيح فكان العقل معتبرا لإثبات الأهلية. وهو من أعز النعم لأن الإنسان يمتاز به من سائر الحيوانات وهو آلة لمعرفة الصانع التي هي أعظم النعم وأعلاها ولمعرفة مصالح الدين والدنيا خلق متفاوتا في أصل القسمة هذا نفي لقول المعتزلة إن العقل في أصل الخلقة ليس بمتفاوت في البشر كالحيوانية وبنوا ذلك على قولهم بوجوب الأصلح وذلك منهم إنكار المشاهدة والعيان فإنا نرى تفاوت حدة الأذهان وجودة القرائح في الصبيان في أول نشوئهم, وكذا في البالغين من غير جهد سبق منهم ولا تجربة ولا تعلم فإنكار ذلك كان كإنكار تفاوت الخلق في الحسن والقبح والقوة والضعف والشجاعة والجبن قد مر تفسيره قبل هذا يعني في باب بيان شرائط الراوي أنه أي العقل نور في بدن الآدمي. وقيل محله منه الرأس وقيل محله القلب يضيء به أي بذلك النور الطريق الذي مبدؤه من حيث ينقطع إليه أثر الحواس والضمير راجع إلى حيث وقد مر بيانه فيما تقدم وهذا إنما يتأتى في المحسوسات فأما فيما لا يحس أصلا فإنما نبتدئ طريق العلم به من حيث يوجد كالعلم مثلا فإنه ليس بمحسوس ولما احتيج فيه إلى معرفة أنه معنى راجع إلى ذات العالم أم راجع إلى غير ذاته يعرف ذلك بالعقل من غير انقطاع أثر الحواس وفي اللامسي هو جوهر يدرك به الغائبات بالوسائط والمحسوسات