الشرع بخلافه فليس معه دليل يعتمد عليه سوى أمور ظاهرة فسلمها له ومن ألغاه من كل وجه فلا دليل له أيضا وهو قول الشافعي رحمه الله فإنه قال في
ـــــــ
يمهل ثلاثة أيام فقال إنه ليس بمقدر بل هو مختلف باختلاف الأشخاص فإن العقل متفاوت في أصل الخلقة فرب عاقل يهتدي في زمان قليل إلى ما لا يهتدي إليه غيره في زمان كثير فيفوض تقديره إلى الله جل جلاله إذ هو العالم بمقدار ذلك الزمان في حق كل شخص على الحقيقة فيعفو عنه قبل إدراكه ويعاتبه بعد استيفائه ويؤيده ما ذكر في التقويم في هذا الموضع ثم قدر مدة العذر إلى الله تعالى ما يعرف بالعقل فعلى هذا الوجه يكون قوله وليس كذا من تتمة الكلام الأول متصلا بقوله لم يكن معذورا ويكون قوله فمن جعل العقل كذا ابتداء كلام بعد ذكر هذه الأقوال ويجوز أن يكون معناه وليس على الحد الذي يوقف به على المقصود من كون العقل موجبا بنفسه أو غير موجب أصلا أو كونه حجة عند استيفاء مدة التأمل دليل قاطع من نص محكم أو دليل عقلي ضروري ونحو ذلك فعلى هذا الوجه يكون هذا ابتداء كلام. وقوله: فمن جعل العقل من تتمته فمن جعل العقل حجة موجبة بنفسه بحيث يمتنع الشرع أي ورود الشريعة بخلافه أو يمتنع شرع الحكم بخلافه أو يمتنع وجود المشروع بخلافه فليس معه دليل يعتمد عليه أي ليس له دليل قطعي من شرعي أو عقلي يعتمد عليه إذ لم يرد في الشرع دليل قطعي على أن العقل موجب بنفسه ولم يوجد عليه دليل عقلي سوى أمور ظاهرة نسلمها له ولا يلزم من تسليمها كون العقل موجبا بنفسه وبيانه أنهم قالوا: قد عرف حسن بعض الأشياء كالإيمان وشكر المنعم بالعقل وقبح بعضها مثل الكفر والعبث به وعلم أن الشرع لا يرد بتحسين ما قبحه العقل ولا بتقبيح ما حسنه العقل حتى لم يجز ورود نسخ الإيمان ولا ورود شرعية الكفر فعلم أن العقل موجب بذاته بدون الشرع وأن الشرع تابع له فيما عرف حسنه وقبحه به. ونحن نسلم لهم معرفة الحسن والقبح بالعقل وامتناع نسخ ما حسنه وشرع ما قبحه ولكن ذلك لا يدل على أن العقل موجب بذاته لما بينا أنه عجز بنفسه بل الموجب هو الله تعالى في الحقيقة ولكن بالعقل يعرف ذلك لأنه تعالى جعله دليلا وطريقا إلى العلم, والدليل بنفسه لا يكون موجبا فثبت أن ما ذكره الخصم لا يصلح دليلا على ما ادعاه وما ذكروا أن الشرع لم يرد بما لا يدركه العقول ظاهر الفساد لأن الله تعالى شرع من المقدرات ما لا يدركه العقول كأعداد الركعات ومقادير الزكوات والجنايات والحدود ونحوها.
قوله:"ومن ألغاه"أي العقل من كل وجه وهم الأشعرية فلا دليل له أيضا أي ليس له دليل قاطع وهو مذهب الشافعي رحمه الله فإن مذهبه كمذهب أبي الحسن