بالتجربة وألهمه وأمهله لدرك العواقب لم يكن معذورا وإن لم يبلغه الدعوة على نحو ما قال أبو حنيفة رحمه الله في السفيه إذا بلغ خمسا وعشرين سنة لم يمنع منه ماله لأنه قد استوفى مدة التجربة والامتحان فلا بد من أن يزداد به رشدا وليس على الحد في هذا الباب دليل قاطع فمن جعل العقل حجة موجبة يمتنع
ـــــــ
الخالق بأن بلغ على شاهق جبل ومات من ساعته فأما إذا أعانه الله بالتجربة وأمهله لدرك العواقب لم يكن معذورا لأن الإمهال وإدراك مدة التأمل بمنزلة دعوة الرسل في حق تنبيه القلب عن نوم الغفلة فلا يعذر بعد ألا ترى أنه لا يرى بناء إلا وقد عرف له بانيا ولا صورة إلا وقد عرف له مصورا فكيف يعذر بعد رؤيته صورا حسنة وبعد إدراك مدة التأمل في جهله بخالقها ومصورها بل يلزمه من النظر والاستدلال ما يتم به المعرفة وعلى هذا الوجه يحمل ما روي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه لا عذر لأحد في الجهل بالخالق لما يرى في العالم من آثار الخلق أي لا عذر له بعد الإمهال لا لابتداء العقل. وكان من حق الكلام أن يقال ومعنى قولنا أنه لا يكلف بمجرد العقل أنه غير مكلف به قبل إدراك زمان التأمل والتجربة فإذا أعانه الله بكذا إلى آخره إلا أنه حذف البعض اختصارا لدلالة الكلام عليه على نحو ما قال أبو حنيفة رحمه الله يعني إقامة الإمهال وإدراك زمان التأمل مقام بلوغ الدعوة ها هنا على مثل ما قال أبو حنيفة رحمه الله في السفيه إذا بلغ خمسا وعشرين سنة يدفع ماله إليه وإن لم يؤنس منه رشد مع أن دفع المال إليه معلق بإيناس الرشد بالنص والمعلق بالشرط معدوم قبل وجوده لأنه لما استوفى هذه المدة لا بد من أن يستفيد رشدا بالتجربة والامتحان في الغالب لأنها مدة يتوهم صيرورته جدا فيها إذ البلوغ يتحقق في الغلام بعد ثنتي عشرة سنة فيمكن أن يولد له ابن لستة أشهر ثم إن ولده يبلغ لثنتي عشرة سنة ويولد له ابن لستة أشهر فيصير الأول جدا بعد تمام خمس وعشرين سنة ومن صار فرعه أصلا فقد تناهى هو في الأصالة فلا بد من أن يستفيد رشدا بنسبة حالة فيقام هذه المدة مقام الرشد والشرط رشد نكرة وقد وجد إما تحقيقا أو تقديرا باستيفاء مدة التجربة فيجب دفع المال إليه فكذلك ها هنا بعد مضي مدة التأمل لا بد من أن يستفيد العاقل بصيرة ومعرفة بصانعه بالنظر في الآيات الظاهرة والحجج الباهرة فإذا لم يحصل له المعرفة بعد هذه المدة كان ذلك لاستخفاف الحجة كما يكون بعد دعوة الرسل فلا يكون معذورا.
قوله:"وليس على الحد في هذا الباب دليل قاطع"أي ليس على حد الإمهال وتقدير زمان الامتحان والتجربة في هذا النوع وهو العاقل الذي لم تبلغه الدعوة دليل قاطع يعتمد عليه ويحكم أنه كذا وكأنه رد لما قيل إنه مقدر بثلاثة أيام اعتبارا بالمرتد فإنه إذا استمهل