فهرس الكتاب

الصفحة 1959 من 2201

بالتجربة وألهمه وأمهله لدرك العواقب لم يكن معذورا وإن لم يبلغه الدعوة على نحو ما قال أبو حنيفة رحمه الله في السفيه إذا بلغ خمسا وعشرين سنة لم يمنع منه ماله لأنه قد استوفى مدة التجربة والامتحان فلا بد من أن يزداد به رشدا وليس على الحد في هذا الباب دليل قاطع فمن جعل العقل حجة موجبة يمتنع

ـــــــ

الخالق بأن بلغ على شاهق جبل ومات من ساعته فأما إذا أعانه الله بالتجربة وأمهله لدرك العواقب لم يكن معذورا لأن الإمهال وإدراك مدة التأمل بمنزلة دعوة الرسل في حق تنبيه القلب عن نوم الغفلة فلا يعذر بعد ألا ترى أنه لا يرى بناء إلا وقد عرف له بانيا ولا صورة إلا وقد عرف له مصورا فكيف يعذر بعد رؤيته صورا حسنة وبعد إدراك مدة التأمل في جهله بخالقها ومصورها بل يلزمه من النظر والاستدلال ما يتم به المعرفة وعلى هذا الوجه يحمل ما روي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه لا عذر لأحد في الجهل بالخالق لما يرى في العالم من آثار الخلق أي لا عذر له بعد الإمهال لا لابتداء العقل. وكان من حق الكلام أن يقال ومعنى قولنا أنه لا يكلف بمجرد العقل أنه غير مكلف به قبل إدراك زمان التأمل والتجربة فإذا أعانه الله بكذا إلى آخره إلا أنه حذف البعض اختصارا لدلالة الكلام عليه على نحو ما قال أبو حنيفة رحمه الله يعني إقامة الإمهال وإدراك زمان التأمل مقام بلوغ الدعوة ها هنا على مثل ما قال أبو حنيفة رحمه الله في السفيه إذا بلغ خمسا وعشرين سنة يدفع ماله إليه وإن لم يؤنس منه رشد مع أن دفع المال إليه معلق بإيناس الرشد بالنص والمعلق بالشرط معدوم قبل وجوده لأنه لما استوفى هذه المدة لا بد من أن يستفيد رشدا بالتجربة والامتحان في الغالب لأنها مدة يتوهم صيرورته جدا فيها إذ البلوغ يتحقق في الغلام بعد ثنتي عشرة سنة فيمكن أن يولد له ابن لستة أشهر ثم إن ولده يبلغ لثنتي عشرة سنة ويولد له ابن لستة أشهر فيصير الأول جدا بعد تمام خمس وعشرين سنة ومن صار فرعه أصلا فقد تناهى هو في الأصالة فلا بد من أن يستفيد رشدا بنسبة حالة فيقام هذه المدة مقام الرشد والشرط رشد نكرة وقد وجد إما تحقيقا أو تقديرا باستيفاء مدة التجربة فيجب دفع المال إليه فكذلك ها هنا بعد مضي مدة التأمل لا بد من أن يستفيد العاقل بصيرة ومعرفة بصانعه بالنظر في الآيات الظاهرة والحجج الباهرة فإذا لم يحصل له المعرفة بعد هذه المدة كان ذلك لاستخفاف الحجة كما يكون بعد دعوة الرسل فلا يكون معذورا.

قوله:"وليس على الحد في هذا الباب دليل قاطع"أي ليس على حد الإمهال وتقدير زمان الامتحان والتجربة في هذا النوع وهو العاقل الذي لم تبلغه الدعوة دليل قاطع يعتمد عليه ويحكم أنه كذا وكأنه رد لما قيل إنه مقدر بثلاثة أيام اعتبارا بالمرتد فإنه إذا استمهل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت