وهو الإيمان بالله تعالى فوجب القول بصحته من الصبي لما ثبت أهلية أدائه ووجد منه بحقيقته لأن الشيء إذا وجد بحقيقته لم ينعدم إلا بحجر من الشرع وذلك في الإيمان باطل لما قلنا إنه حسن لا يحتمل غيره ولا عهدة فيه إلا في لزوم أدائه وذلك يحتمل الوضع فوضع عنه فأما الأداء فخال عن العهدة لأن
ـــــــ
أحكام الآخرة لتحقق الاعتقاد عن معرفة وليس من ضرورة ثبوت الإسلام في أحكام الآخرة ثبوته في أحكام الدنيا لأن أحدهما ينفصل عن الآخر فإن من اعتقل لسانه في مرض موته فأسلم في تلك الحالة قبل أن يعاين الأهوال صح إسلامه في أحكام الآخرة ولا يصح في أحكام الدنيا حتى يجري عليه أحكام الكفار فلا يصلى عليه ويدفن في مقابر المشركين ومن أسلم بلسانه دون قلبه فهو كافر في أحكام الآخرة مؤمن في أحكام الدنيا ولهذا كان يجرى أحكام المسلمين على المنافقين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولنا أن الإيمان بحقيقته قد وجد من أهله بعد تحقق سببه فوجب القول بصحته كما لو تحقق من البالغ وذلك لأن سببه الآيات الدالة على حدوث العالم وأنه متحقق في حق الجميع والإيمان إقرار وتصديق وقد سمع منه الإقرار وعرف منه التصديق لأن التصديق إنما يعرف بالإقرار ممن هو عاقل مميز وكلامنا في صبي عاقل يناظر في وحدانية الله تعالى وصحة رسالة الرسول عليه السلام ويلزم الخصم بالحجج على وجه لا يبقى في معرفته شبهة فكان هو والبالغ سواء وأهلية الإيمان ثابتة حقيقة لأن الكلام في الصبي العاقل كما بينا. وكذا حكما لأنه اهتداء بالهدى وإجابة للداعي وقد ثبت بالنص أن الصبي من أهل أن يكون هاديا داعيا لغيره إلى الهدى قال الله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم: 12] والمراد النبوة والله أعلم فيتبين به أنه من أهل أن يكون مهتديا مجيبا للداعي بالطريق الأولى وبعد وجود السبب ووجود الركن من الأهل لو امتنع إنما يمتنع بحجر شرعي كما في الطلاق والبيع ولا يستقيم القول به هاهنا لأن الحجر عن الإيمان كفر إذ الإيمان حسن لعينه لا يحتمل أن يكون قبيحا في حال ولهذا لم يحتمل النسخ والتبديل ولم يخل عن وجوبه وشرعيته زمان فلا يمكن أن يحجر الصبي عنه ويجعل الإسلام غير مشروع في حقه بخلاف الطلاق والبيع.
وقوله: ولا عهدة إشارة إلى الجواب عما قال الخصم الإسلام عقد متردد بين النفع والضرر فكان كالبيع لاستلزامه العهدة فقال لا عهدة أي لا ضرر ولا تبعة في الإيمان إلا في لزوم أدائه وذلك أي لزوم الأداء يحتمل الوضع أي الإسقاط لأنه يسقط بعد البلوغ بعذر الإكراه والنوم والإغماء فوضع عنه أي أسقط لزوم الأداء عن الصبي بعذر الصبا أيضا فأما الأداء أي نفس الأداء من غير لزوم فخال عن العهدة أي الضرر بل هو نفع