ليس بولي فبطل اختياره وقد خالفنا الشافعي رحمه الله في هذه الجملة خلافا متناقضا لا يستقيم على شيء من أصول الفقه وكفى به حجة عليه ولم يعتد بخلافه لأنه قد قال بصحة كثير من عباراته في اختيار أحد الأبوين وفي الإيصاء
ـــــــ
عبارته فيه شرعا لأنه من جنس ما يتردد بين النفع والضرر بل جانب الضرر فيه متعين لأن الغالب من حاله الميل إلى الهوى والشهوة فيختار من يدعه يلعب ولا يؤاخذه بالآداب ويتركه خليع العذار لقلة نظره في عواقب الأمور وأنه يتضرر بذلك. ولا يقال إنما يتحقق الضرر بفعل ذلك الغير لا باختياره لأنا نقول اختياره علة العلة فتصير الأخيرة مضافة مع حكمها إلى الأولى كما في شراء القريب والولي في موضع النزاع ليس بولي جواب عما يقال قد يندفع الضرر بإذن الولي فينبغي أن يصح اختياره إذا رضي الولي بذلك كما في البيع فقال لا يعتبر اختياره في هذا الموضع لأن هذا موضع نزاعه الأم وأنه في هذا الاختيار عامل لنفسه فلا يصلح عاملا للصبي وناظرا له فلا يكون وليا في هذه الحالة وقد يجوز أن لا يعتبر قول الصبي في ذلك ولا قول أبيه كما إذا كان في رهن المشركين عند المسلمين صبيان فأسلموا ثم رضوا بردهم على المشركين لاسترداد رهن المسلمين منهم لا تعتبر رضاهم في ذلك ولا رضاء آبائهم ولا يردون بخلاف الرجال البالغين فهذا نوع اختيار منه ثم لا تعتبر عبارته فيه ولا عبارة وليه لأنه يبتنى على الأهلية الكاملة بمنزلة التصرف الذي يتمحض ضررا فإن قيل إذا أقر الصبي العاقل على نفسه بالرق وهو مجهول الحال يصح إقراره وفيه اعتبار عبارته فيما يتمحض ضررا في حقه وهو إبطال الحرية وتبدل صفة المالكية بالمملوكية. قلنا ثبوت الرق ها هنا ليس بعبارته ولكن بدعوى ذي اليد أنه عبدي لأن عند معارضته إياه بدعوى الحرية لا يتقرر يده عليه وعند عدم هذه المعارضة يتقرر يده عليه فيكون القول قوله في رقه بمنزلة الصبي الذي لا يعقل إذا كان في يده فقال هو عبدي أو لأن الحرية إنما تثبت له إذا ادعى الحرية ولا يمكن أن يجعل بإقراره بالرق مدعيا للحرية بوجه فكان هذا نظير ما قلنا في صحة ردته من حيث إنه مع جهله بالله تعالى لا يمكن أن يجعل عالما به حتى يكون محكوما بإسلامه كذا ذكر الإمام شمس الأئمة رحمه الله. والجواب عما روي من الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لذلك الغلام فقال:"اللهم سدده"1 فببركة دعائه عليه السلام اختار ما هو الأنفع له ولا يوجد مثله في حق غيره كذا في المبسوط.
قوله:"وقد خالفنا الشافعي في هذه الجملة"أي: جملة ما ذكرنا من الأحكام خلافا متناقضا ثم بين التناقض بقوله لأنه قد قال بصحة كثير من عباراته في اختيار أحد الأبوين
ـــــــ
1 أخرجه أبو داود في الطلاق حديث رقم 2244 وابن ماجه في الأحكام حديث رقم 2353.