الوجوب لأنه لا ينافي الذمة ولا ينافي حكم الواجب وهو الثواب في الآخرة إذا احتمل الأداء. ألا يرى أن المجنون يرث ويملك وذلك ولاية إلا أن ينعدم الأداء
ـــــــ
في حق الصلاة أيسر من اعتبار حقيقتها فإذا زال الجنون قبل هذا الحد الذي ذكرنا في كل عبادة وهو أصلي كان على الاختلاف المذكور بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله وقد بينا ذلك في حق الصوم والصلاة وبيانه في حق الزكاة فيما إذا بلغ الصبي مجنونا وهو مالك لنصاب فزال جنونه بعد مضي ستة أشهر ثم تم الحول من وقت البلوغ وهو مفيق وجبت عليه الزكاة عند محمد رحمه الله لأنه لا يفرق بين الأصلي والعارضي ولا تجب عند أبي يوسف رحمه الله بل يستأنف الحول من وقت الإفادة لأنه بمنزلة الصبي الذي بلغ الآن عنده. ولو كان الجنون عارضيا فزال بعد ستة أشهر يجب الزكاة بالإجماع لأنه زال قبل الامتداد عند الكل ولو زال الجنون بعد مضي أحد عشر شهرا يجب الزكاة عند محمد سواء كان الجنون أصليا أو عارضيا لوجود الزوال قبل الامتداد ولمساواة الأصلي العارضي عنده وعند أبي يوسف رحمه الله لا تجب بوجود الزوال بعد الامتداد.
قوله:"وقد بينا"يعني في آخر باب دفع العلل الطردية وباب بيان الأهلية أن الجنون لا ينافي أهلية الوجوب لأنها تثبت بالذمة والصلاحية لحكم الوجوب أي فائدته المقصودة منه وهو استحقاق ثواب الآخرة وباحتمال الأداء, والجنون لا ينافي الذمة لأنها ثابتة لكل مولود من البشر على ما مر بيانه ولا ينافي حكم الواجب أيضا لأنه لا ينافي الإسلام إذ المجنون يبقى مسلما بعد جنونه فلا ينافي استحقاق ثواب الآخرة ولا ينافي احتمال الأداء أيضا لأن الأداء مرجو عنه بالإفاقة في الوقت وخلفه وهو القضاء متوهم بالإفاقة خارج الوقت وذلك كاف للوجوب كما في الإغماء فثبت أنه لا ينافي أهلية الوجوب يبينه أن الأداء متصور عنه فإنه لو نوى الصوم ليلا ثم أصبح مجنونا يصح منه صوم ذلك اليوم لأن الركن بعد النية ترك المفطرات وأنه يتصور منه كما يتصور من العاقل والترك من حيث هو ترك لا يفتقر إلى القصد والتمييز وإذا تصور منه الأداء كان أهلا للوجوب لأن من كان أهلا للأداء كان أهلا للوجوب ألا ترى متعلق بقوله لا ينافي الذمة أي أن المجنون يرث ويملك وثبوت الإرث من باب الولاية لأن الوراثة خلافة والوارث يخلف المورث ملكا تصرفا حتى إن ما يقطع الولاية كالرق واختلاف الدين يمنع التوارث. ولا يلزم عليه وراثة الصبي وإن لم يكن من أهل الولاية لأنه عدم في حق الصبي أهلية مباشرة التصرف ولم ينعدم أهلية الملك والوراثة خلافة الملك والولي يقوم مقامه في التصرف وكذا الملك ولاية لأنه استيلاء على المحل شرعا والولاية لا تثبت بدون الذمة إلا أن ينعدم متعلق بقوله لا ينافي أهلية الوجوب أي إلا أن ينعدم الأداء تحقيقا وتقديرا بأن لزم منه حرج فحينئذ يصير