فيصير الوجوب عدما بناء عليه ولهذا قلنا إن المجنون مؤاخذ بضمان الأفعال في الأموال على الكمال لأنه أهل لحكمه على ما قلنا فإذا ثبتت الأهلية كان العارض من أسباب الحجر. والحجر عن الأقوال صحيح ففسدت عباراته وقلنا لما لم يصح إيمانه لعدم ركنه وهو العقد والأداء أيضا فلم يكن حجرا لأن عدم الحكم لعدم الركن ليس من باب الحجر ولكن الإيمان مشروع في حقه حتى
ـــــــ
الوجوب معدوما أي لا يثبت أصلا بناء على عدم الأداء لهذا أي ولعدم منافاته أهلية الوجوب قلنا إن المجنون يؤاخذ بضمان الأفعال في الأموال على الكمال حتى لو أتلف مال إنسان يجب عليه الضمان كما يجب على العاقل لأن المجنون أهل لحكم وجوب المال وهو الأداء على ما قلنا في باب الأهلية أن المال هو المقصود في حقوق العباد دون الفعل والمقصود يحصل بأداء النائب فكان المجنون من أهل وجوبه كالصبي واحترز بقوله على الكمال عن ضمان الأفعال في الأنفس فإنه لو جنى جناية موجبة للقصاص لا يجب عليه القصاص الذي هو ضمان هذا الفعل على الكمال ويجب الدية على العاقلة كما في الخطأ.
قوله:"وإذا ثبتت الأهلية للمجنون كان هذا العارض"وهو الجنون من أسباب الحجر يعني أن المجنون ليس بعديم الأهلية بحيث لا يعتبر أفعاله وأقواله جميعا كالبهائم بل له أصل الأهلية حيث يثبت له الإرث والملك واعتبر من أفعاله ما لا يتوقف صحته على العقل ولكن لما فات عقله بعارض الجنون كان هذا العارض من أسباب الحجر عليه فيما يتوقف صحته على العقل نظرا له كالصبا والرق فإنهما من أسباب الحجر نظرا للصغير والمولى والحجر عن الأقوال صحيح لأن اعتبارها بالشرع فيجوز أن يسقط اعتبارها شرعا بعارض بخلاف الأفعال فإنها توجد حسا لا مرد لها فلا يتصور الحجر عنها شرعا ففسدت عباراته حتى لم تصح أقاريره وعقوده وغيرها مما يتعلق بالعبارة لأن صحة الكلام بالعقل والتمييز فبدونهما لا يمكن اعتباره وقلنا لم يصح إيمان المجنون حتى لو كان أبواه كافرين فأقر بوحدانية الله تعالى وصحة الرسالة لا يحكم بإسلامه لأن ركن الإيمان لم يوجد وهو عقد القلب والأداء الصادران عن عقل بخلاف الصبي حيث صح إيمانه لوجود ركنه على ما مر فلم يكن حجرا أي لم يكن القول بعدم صحة إيمانه حجرا عن الإيمان وهذا جواب عما يقال ما ذكرتم حجر عن الإيمان لأن عدم اعتبار إقراره بالتوحيد مع وجوده حقيقة ليس إلا بطريق الحجر وقد أنكرتم الحجر عن الإيمان في مسألة إيمان الصبي فقال ليس هذا من باب الحجر لأن عدم الحكم لعدم الركن لا يعد حجرا وكذا الحكم في سائر عباراته أيضا فإنها ليست بمعتبرة أصلا لفوات العقل حتى لم تنفذ بإجازة الولي فكان المراد من الحجر فيها إخراجها من الاعتبار من الأصل وتسميته محجورا عنها توسع بخلاف