يشرع غير مؤكد ألا ترى أنه يؤكد بالحجة والمال والمحرمية وأما الذي لا يصلح لحاجته فالقصاص لأنه شرع عقوبة لدرك الثأر وقد وجب عند انقضاء الحياة وعند ذلك لا يجب له إلا ما يضطر إليه حاجته وقد وقعت الجناية على حق أوليائه من وجه لانتفاعهم بحياته فأوجبنا القصاص للورثة ابتداء والسبب قد
ـــــــ
قوله:"وأما الذي لا يصلح لحاجته"أي الميت وهو رابع الأقسام الأربعة فالقصاص لأنه شرع لدرك الثأر ولتشفي الصدور ولإبقاء الحياة على الأولياء بدفع شر القاتل والميت لم يبق أهلا لهذه الأشياء ولا حاجة له إليها وقد وجب القصاص عند انقضاء حياة المقتول وعند انقضاء حياته لا يجب له أي لا يثبت له إلا ما يصلح لقضاء حوائجه من تجهيزه وتكفينه وقضاء ديونه وتنفيذ وصاياه والقصاص لا يصلح لهذه الحوائج أصلا. وقد وقعت الجناية على حق أولياء الميت من وجه لانتفاعهم بحياته فإنهم كانوا يستأنسون به وينتصرون به على الأعداء وينتفعون بماله عند الحاجة فأوجبنا القصاص للورثة ابتداء يعني لا يثبت للميت أولا ثم ينتقل إليهم بحيث تجري فيه سهام الورثة كما ينتقل سائر الحقوق بل يثبت لهم ابتداء لحصول منفعة التشفي لهم دون الميت ولوقوع الجناية على حقهم من وجه والسبب انعقد للميت لأن المتلف نفسه وحياته وقد كان منتفعا بحياته أكثر من انتفاع أوليائه بها فكانت الجناية واقعة على حقه فينبغي أن يجب القصاص له من هذا الوجه لكنه لما خرج عند ثبوت الحكم عن أهلية الوجوب له وجب ابتداء الولي لقائم مقامه على سبيل الخلافة كما ثبت الملك للمولى في كسب عبده المأذون ابتداء على سبيل الخلافة عن العبد وكما ثبت الملك للموكل ابتداء عند تصرف الوكيل بالشراء خلافة عن الوكيل ويؤيده قوله تعالى: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} [الاسراء: 33] بين أن ابتداء ثبوت القصاص للولي القائم مقام المقتول كذا في المبسوط وغيره.
قوله:"ولهذا"أي ولما ذكرنا من الوجهين صح عفو الوارث عنه أي عن القصاص أو عن القاتل قبل موت المجروح استحسانا والقياس أن لا يصح لأن حقه إنما يثبت بعد موت المورث فعفوه قبل موت المجروح يكون إسقاطا للحق قبل ثبوته فيكون باطلا كما لو أبرأ الوارث من عليه دين لمورثه قبل موته. وصح عفو المجروح استحسانا أيضا والقياس أن لا يصح لأن القصاص إنما يجب بعد الموت للوارث لا للمورث لما بينا أن الوارث هو المنتفع به دون المورث فيكون المورث بعفوه مسقطا حق الغير ومسقطا للحق قبل وجوبه أيضا وكلاهما باطل وجه الاستحسان أن السبب يجعل قائما مقام حقيقة وجوب الحق في صحة العفو ثم باعتبار نفس الواجب الحق للوارث لما قلنا إن القصاص في النفس لا يجب