العفو ورجحان جهة وجوده لكونه مندوبا شرعا ولذلك قال أبو حنيفة رحمه الله في الوارث الحاضر إذا أقام بينة على القصاص ثم حضر الغائب كلف إعادة البينة وإذا انقلب القصاص مالا صار موروثا لأن موجب القتل في الأصل القصاص وعند الضرورة يجب الدية خلفا عن القصاص فإذا جاء الخلف جعل كأنه هو
ـــــــ
الرجوع. فأشار إلى الجواب بقوله ورجحان جهة وجوده لكونه مندوبا إليه شرعا يعني إنما اعتبرنا هذا الموهوم لأن المولى مندوب إلى العفو والإنسان يرغب فيما يندبه الشرع إليه فاعتبر هذا الاحتمال لرجحان جهة وجوده في المنع من الاستيفاء فأما الشاهد فغير مندوب إلى الرجوع والمالك غير مأمور بالإقرار فبقي مجرد الوهم فلا يعتبر على أن اعتبار الموهوم في هذه المسألة يوجب تأخير الاستيفاء إلى حضور الغائب لا إسقاط القود أصلا وهناك اعتبار يوجب إسقاط القطع لأنه يسقط بالتقادم فلا يدل اعتبار الموهم هاهنا على اعتباره هناك.
قوله:"ولذلك"أي ولأن القصاص يجب للورثة ابتداء لا بطريق الإرث قال أبو حنيفة رحمه الله فيما إذا ادعى رجل دم أبيه على رجل وأخوه غائب وأقام بينة على ذلك تقبل ويحبس القاتل لأنه صار متهما بالدم فإذا حضر الغائب كلف أن يعيد البينة ولا يقضى لهما بالقصاص قبل إعادة البينة وعندهما لا يكلف إعادة البينة لأن عندهما القصاص واجب بطريق الإرث وأحد الورثة ينتصب خصما عن الميت فيما يثبت له وعليه والبينة متى أقامها خصم لم يجب إعادتها بعد ذلك. ألا ترى أن القتل لو كان خطأ لم يكن على الغائب إذا حضر أن يعيد البينة ليستوفي نصيبه من الدية فكذلك هذا وعند أبي حنيفة رحمه الله كان القصاص واجبا للورثة ابتداء لا إرثا على المقتول لا يكون بعضهم نائبا عن البعض في إثبات حقه بغير وكالة منه كما لو اشتروا عبدا و جحد البائع فأقام أحدهم البينة فالبينة التي أقامها الحاضر لا تثبت القصاص في حق الغائب فلا بد له من إعادة البينة ليتمكن من الاستيفاء لأنا نجعل كل وارث في حق القصاص كأنه ليس معه غيره وليس من ضرورة ثبوت القصاص للذي أقام البينة ثبوته لغيره وهذا بخلاف الخطأ فإن المال وهو موروث للورثة عن الميت بعد الفراغ من حاجته بمنزلة سائر الأموال فينتصب كل وارث خصما عن الميت وعن سائر الورثة في إثباته كذا في المبسوط.
قوله:"وإذا انقلب القصاص مالا"إشارة إلى الجواب عما قالوا إن القصاص يثبت بطريق الإرث بدليل أن خلفه وهو المال موروث بالإجماع فقال وإذا انقلب القصاص مالا بالصلح أو بعفو البعض أو بشبهة صار موروثا حتى يقتضي منه ديون الميت وينفذ وصاياه ويجري فيه سهام الورثة لأن موجب القتل في الأصل القصاص لأنه هو المثل صورة ومعنى