في الأحكام التي تحتمل التغير ليصير الخطاب قاصرا عنهم في أحكام الدنيا استدراجا بهم ومكرا عليهم وتركا لهم على الجهل وتمهيدا لعقاب الآخرة والخلود في النار وتحقيقا لقول النبي عليه السلام:"الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر"فأما في حكم لا يحتمل التبدل فلا حتى إنه لا يعطي للكفر حكم الصحة بحال ولا يبتنى على هذا أنه جعل حكم الصحة بحال ويبتنى على هذا أنه جعل الخطاب بتحريم الخمر كأنه غير نازل في حقهم في أحكام الدنيا من
ـــــــ
أفراد الناس وإنما في وسعه الإشاعة في الناس لا غير فصارت الإشاعة بمنزلة التبليغ إلى كل واحد منهم فلا يعذر الجاهل بالخطاب بعد الإشاعة لبلوغ الخطاب إليه حكما يصير بمنزلة من بلغه الخطاب فلم يعمل به ثم بلوغ الخطاب لم يثبت في حق الكافر; لأنه لا يعتقد صدق المبلغ ولا يرى كلامه حجة والشرع أمرنا أن لا يتعرض له إذا قبل الذمة فبقي على الجهل كما في الخطاب الذي لم يشع وخطاب نبي لم يثبت معجزته بعد وخرج الخطاب بإنكاره الرسول ويأمر الشرع إيانا أن نتركهم عليه عن كونه حجة في حقه فصار البلوغ وعدمه في حقه بمنزلة.
قوله:"استدراجا"متعلق بقاصر أي قصور الخطاب عن الكافر ليس للتخفيف عليه ولكن للاستدراج وهو التقريب إلى العذاب بوجه لا شعور له به يقال استدرجه إلى كذا أي أدناه منه على التدريج ومكرا وهو الأخذ على غرة وتحقيقا لقوله عليه السلام:"الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر"1 فإنه لا خطاب في الجنة ولا تكليف بل فيها ما تشتهي الأنفس والدنيا للكافر بهذه المثابة. وهذا في كل حكم يثبت بالشرع لا يثبت في حقنا إلا بعد العلم بالخطاب وقبله يبقى على ما كان ثابتا فأما في كل حكم لا يحتمل التبدل فلا أي لا يكون ديانته دافعة لدليل الشرع حتى إنه الضمير للشان لا يعطي للكفر حكم الصحة بحال يعني لا يعتبر ديانة الكافر بعبادة الأوثان والنار وبما يباشره من الكفر أصلا; لأنه مما لا يحتمل أن يحل بحال والمغير إنما يعمل فيما يحتمل ويبتنى على هذا أي على أن ديانتهم دافعة عنده للتعرض والخطاب جميعا أنه أي أبا حنيفة رحمه الله جعل الخطاب بتحريم الخمر كأنه غير نازل في حقهم في أحكام الدنيا بمنزلة الخطاب بتحريم الميتة في حق المضطر وما أشبه ذلك نحو هبة الخمر والوصية والتصدق بها وأخذ العشر من قيمتها وكذلك أي ومثل تحريم الخمر تحريم الخنازير في أن الخطاب بالتحريم غير
ـــــــ
1 أخرجه مسلم في الزهد والرقائق حديث رقم 2956 والترمذي في الزهد حديث رقم 2324 وابن ماجه في الزهد حديث رقم 4113 والإمام أحمد في المسند 2/323.