يثبت والجواب عنه أن تقويم الأموال وإحصان النفوس من باب العصمة وتفسير العصمة الحفظ فيكون في تحقيق العصمة بديانتهم حفظ عن التعرض أيضا وقد بينا ما يبطل به مذهبه وتبين أن ما قلنا من باب الدفع ولا يلزم عليه استحلالهم الربا وذلك لأن ذلك ليس بديانة بل هو فسق في ديانتهم; لأن من أصل ديانتهم
ـــــــ
نتعرض لهم بسبب عقد الذمة وذلك لا يدل على صحة ما دانوا به من الأحكام كما لا يدل على صحة ما دانوا من الكفر فما يرجع إلى التعرض من الأحكام لا يثبت في حقهم وما لا يرجع إليه يثبت. فلا يجب على الذمي حد الشرب; لأنه شرع زاجرا في المستقبل وفي إيجابه عليه تعرض له في المستقبل. فأما سائر الأحكام مثل إثبات التقوم وإيجاب الضمان على المتلف وصحة البيع وإيجاب النفقة على الزوج وإيجاب الحد على القاذف فلا يثبت; لأن ديانة الكافر ليست بحجة على غيره بل أثرها في دفع التعرض عنه لا غير.
والجواب عنه أي عن كلام الشافعي لأبي حنيفة رحمهما الله أن تقويم الأموال وإحصان النفوس من باب العصمة وتفسيرها الحفظ عن التعرض فيكون في تحقيق العصمة لنفوسهم وأموالهم تحقيق الحفظ لها عن التعرض أيضا يعني كما أن إسقاط حد الشرب عن الكافر بديانته له من باب ترك التعرض, وحفظه عنه إثبات تقوم الخمر وإبقاء الإحصان بديانته من باب الحفظ عن التعرض أيضا; لأن الأموال والنفوس لا تصير معصومة عن تعرض المسلمين إلا بإيجاب الضمان عليهم عند الإتلاف فكان ذلك من ضرورات الحفظ عن التعرض كسقوط حد الشرب. ولا يلزم عليه أي على ما ذكرنا أن ديانتهم معتبرة في دفع التعرض, ودفع الخطاب عنهم عدم اعتبار ديانتهم في استحلال الربا حتى إن الذمي إذا باع درهما بدرهمين من ذمي آخر ثم ترافعا إلى القاضي أو أسلما أو أسلم أحدهما يجب نقضه كما لو باشره مسلم ولم يعتبر في ذلك ديانته لحل ذلك التصرف وجوازه. لأن ذلك أي استحلال الربا منهم ليس بديانة; لأن من ديانتهم تحريم الربا قال الله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا*وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ} [النساء: 160, 161] . وذلك أي استحلال الربا منهم في كونه فسقا مثل خيانتهم فيما اؤتمنوا من كتبهم بتغيير الأحكام وتبديل صفات النبي صلى الله عليه وسلم. لأنهم نهوا عن ذلك أي عن الخيانة على تأويل المذكور فكانت الخيانة منهم فسقا لا ديانة. ولهذا ذمهم الله بقوله: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [المائدة: 13] . فكذلك الربا وذلك الاستحلال منهم بمنزلة ما لو استحلوا الزنا أو السرقة فإن ذلك لا يعتبر في حقهم حتى يجب إقامة الحد عليهم; لأنه فسق منهم وليس بديانة; لأن الزنا والسرقة حرمان في الأديان كلها فكذلك استحلال الربا ولهذا يستثنى عليهم هذه الأشياء في عقد الذمة فشرط عليهم أن لا