صفاته قائمة بذاته وليست بأعراض تحدث وتزول بل هي أزلية لا أول لها أبدية لا آخر لها فكان ما ذهب إليه أهل الأهواء باطلا وجهلا بعد وضوح الدليل فلا يصلح عذرا في الآخرة.
وكذا جهلهم بأحكام الآخرة مثل جهل المعتزلة بسؤال المنكر والنكير وعذاب القبر والميزان والشفاعة لأهل الكبائر وجواز العفو عما دون الشرك وجواز إخراج أهل الكبائر الموحدين من النار وإنكارهم إياها. ومثل إنكار الجهمية خلود الجنة والنار وأهاليهما جهل باطل; لأن الدلائل الناطقة بهذه الأحكام من الكتاب والسنة كثيرة واضحة لا تخفى على من تأمل فيها عن إنصاف فالجهل بها لا يكون عذرا في الآخرة كجهل الكافر. وكذلك جهل الباغي وهو الذي خرج عن طاعة الإمام الحق ظانا أنه على الحق والإمام على الباطل متمسكا في ذلك بتأويل فاسد فإن لم يكن له تأويل فحكمه حكم اللصوص كما سنبينه لا يصلح عذرا; لأنه مخالف للدليل الواضح فإن الدلائل على كون الإمام العادل على الحق مثل الخلفاء الراشدين ومن سلك طريقتهم لائحة على وجه يعد جاحدها مكابرا معاندا. وتوضيحه يتوقف على معرفة قصة البغاة وهي ما روي أن المخالفة لما استحكمت بين علي ومعاوية رضي الله عنهما وكثر القتال والقتل بين المسلمين جعل أصحاب معاوية المصاحف على رءوس الرماح وقالوا لأصحاب علي رضي الله عنه بيننا وبينكم كتاب الله تعالى ندعوكم إلى العمل به فأجاب أصحاب علي رضي الله عنه إلى ذلك وامتنعوا عن القتال ثم اتفقوا على أن يأخذوا حكما من كل جانب فمن اتفق الحكمان على إمامته فهو الإمام وكان علي رضي الله عنه لا يرضى بذلك حتى اجتمع عليه أصحابه فوافقهم عليه فاختير من جانب معاوية عمرو بن العاص وكان داهيا ومن جانب علي أبي موسى الأشعري وكان من شيوخ الصحابة فقال عمرو لأبي موسى نعزلهما أولا ثم نتفق على واحد منهما فأجابه أبو موسى إليه ثم قال لأبي موسى أنت أكبر سنا مني فاعزل عليا أولا عن الإمامة فصعد أبو موسى المنبر وحمد الله تعالى وأثنى عليه ودعا للمؤمنين والمؤمنات, وذكر الفتنة ثم أخرج خاتمه من أصبعه. وقال أخرجت عليا عن الخلافة كما أخرجت خاتمي من أصبعي ونزل ثم صعد عمرو المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه ودعا للمؤمنين والمؤمنات, وذكر الفتنة ثم أخذ خاتمه وأدخله في أصبعه وقال أدخلت معاوية في الخلافة كما أدخلت خاتمي هذا في أصبعي فعرف علي رضي الله عنه أنهم أفسدوا عليه الأمر فخرج على علي رضي الله عنه قريب من اثني عشر ألف رجل من عسكره زاعمين أن عليا كفر حين ترك حكم الله وأخذ بحكم الحكمين فهؤلاء هم الخوارج الذين تفرقوا في البلاد