وظهرت الخبرة والتجربة حدث ضرب من الرشد لا محالة والشرط رشد نكرة فسقط المنع; لأنه إما عقوبة وإما حكم لا يعقل معناه فيتعلق بغير النص فإذا دخله شبهة أو صار الشرط في حكم الوجود بوجه وجب جراؤه واختلفوا في وجوب النظر للسفيه فقال أبو حنيفة رحمه الله لما كان السفه مكابرة وتركا لما هو
ـــــــ
يؤنس منه الرشد فإنه تعالى قال: {حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا} [النساء: 6] وحرف الفاء للوصل والتعقيب فيكون بيانا إن دفع المال إليه عقيب البلوغ بشرط إيناس الرشد وما يقرب من البلوغ في معنى حالة البلوغ فأما إذا بعد عن ذلك فوجوب دفع المال إليه مطلق لما تلونا غير معلق بشرط والمعنى فيه أن منع المال بعد البلوغ لبقاء أثر الصبي وبقاء أثره كبقاء عينه في منع المال وأثره قد يبقى إلى أن يمضي عليه زمان, وينقطع بعدما بلغ خمسا وعشرين سنة لتطاول الزمان فيجب دفع المال ولهذا قال أبو حنيفة رحمه الله لو بلغ رشيدا ثم صار سفيها لم يمنع منه المال; لأن هذا ليس بأثر الصبا فلا يعتبر في منع المال أو منع المال على سبيل التأديب له, والاشتغال بالتأديب ما لم ينقطع رجاء التأديب فإذا بلغ خمسا وعشرين سنة ولم يؤنس رشده فقد انقطع رجاء التأديب; لأنه يتوهم أن يصير جدا في هذه المدة فلا معنى بعد ذلك لمنع المال منه بطريق التأديب. ثم نقول إن الإنسان في أول أحوال البلوغ قد لا يفارقه السفه لقربه بزمان الصبا وبعد تطاول الزمان به لا بد من أن يستفيد رشدا ما بطريق التجربة والامتحان إذ التجارب تفاح العقول والشرط رشد نكرة فيتحقق بأدنى ما ينطلق عليه الاسم كما في سائر الشروط المنكرة فسقط المنع أي منع المال بوجود هذا النوع من الرشد; لأنه أي منع المال إما عقوبة ثبتت زجرا له عن الفعل الحرام وهو التبذير أو حكم لا يعقل معناه; لأن منع المال عن مالكه مع كمال عقله وتميزه غير معقول إذ الملك هو المطلق الحاجز فيتعلق الحكم بعين النص أي المنصوص عليه وهو ما إذا لم يوجد منه رشد تحقيقا ولا تقديرا; لأن ما كان عقوبة أو غير معقول المعنى لا يمكن تعديته فإذا دخله أي منع المال الثابت بطريق العقوبة شبهة بحصول الشرط من وجه وهو إصابة نوع من الرشد بالتجربة سقط; لأن العقوبة تسقط بالشبهة أو صار الشرط أي شرط الدفع في حكم الوجود من وجه بوجود دليله وهو استيفاء مدة التجربة يعني على تقدير أن يكون حكما ثابتا بالنص غير معقول المعنى يسقط أيضا; لأن الشرط الثابت بالنص رشد نكرة فإذا وجد رشد ما فقد تحقق الشرط فوجب جزاؤه وهو دفع المال إليه.
قوله:"واختلفوا في وجوب النظر للسفيه"بجعله محجورا عن التصرفات وإثبات الولاية للغير على ماله صونا لماله عن الضياع كما وجب للصبي والمجنون فقال أبو حنيفة