حنيفة رحمه الله النظر من هذا الوجه جائز لا واجب كما في صاحب الكبيرة وإنما يحسن إذا لم يتضمن ضررا فوقه وها هنا يتضمن ضررا فوقه وهو وقف أهليته وإلحاقه بالصبيان والمجانين والبهائم بخلاف منع المال لما قلنا إنه غير معقول ولأنه عقوبة لا يحتمل المقايسة ولأن اليد للآدمي نعمة زائدة, واللسان والأهلية نعمة أصلية فيبطل القياس لإبطال أعلى النعمتين باعتبار أدناهما.
ـــــــ
يثبت الحجر في حق الطلاق والعتاق والنكاح ونحوها; لأن المحجور عليه لسبب السفه في التصرفات كالهازل فإن الهازل يخرج كلامه على غير نهج كلام العقلاء لقصد اللعب به دون ما وضع الكلام له لا لنقصان في عقله فكذلك السفيه يخرج كلامه في التصرفات على غير نهج كلام العقلاء لاتباع الهوى ومكابرة العقل لا لنقصان في عقله فكل تصرف لا يؤثر فيه الهزل كالنكاح والطلاق لا يؤثر فيه السفه أيضا وكل تصرف يؤثر فيه الهزل وهو مما يحتمل الفسخ يؤثر فيه السفه.
قوله:"وقال أبو حنيفة رحمه الله"يعني في الجواب عن كلامهما أن النظر من هذا الوجه وهو أنه مستحق للنظر بعد الجناية جائز لا واجب كما في صاحب الكبيرة يجوز العفو ولا يجب ومن أصلهما أن الحجر واجب فلا يصح الاستدلال ثم النظر على هذا الوجه إنما يحسن إذا لم يتضمن ضررا فوق هذا النظر هاهنا قد تضمن ذلك كما ذكر في الكتاب بخلاف منع المال عنه; لأنه إنما ثبت بالنص غير معقول المعنى لما بينا فلا يمكن تعديته إلى غيره ولأنه ثبت بطريق العقوبة عند بعض مشايخنا لا بطريق النظر فإن سببه جناية وهو مكابرة العقل واتباع الهوى والحكم المتعلق به وهو منع المال يصلح جزاء كإيجاب المال فيجعل جزاء فإنا عرفنا سائر الأجزية بهذا الطريق وهو إنا نظرنا إلى سبب فوجدناه جناية ونظرنا إلى الحكم فوجدناه صالحا للعقوبة فسميناه عقوبة كالجلد في الزنا وقطع اليد في السرقة وإذا ثبت أنه عقوبة لا يمكن تعديته إلى منع اللسان وقصر العبارة; لأن القياس لا يجري في العقوبات.
ولا يقال إن المنع لو كان عقوبة لفوض أي الإمام والأولياء هم المخاطبون به دون الأئمة لأنا نقول هو عقوبة تعزير وتأديب لا حد فيجوز أن يفوض إلى الأولياء كما في تعزير العبيد والإماء ولئن سلمنا أن النص معقول المعنى وأنه معلول بعلة النظر لا بالعقوبة لا نسلم جواز قياس الحجر على المنع أيضا لعدم المساواة; لأن منع المال إبطال نعمة زائدة عليه وهي اليد وإلحاقه بالفقراء وإثبات الحجر إبطال ولايته وأهليته وإلحاقه بالبهائم وهي نعمة أصلية; لأن الإنسان يمتاز من سائر الحيوان بالبيان فبان جواز إلحاق ضرر يسير به في منع نعمة زائدة وإلحاقه بالفقراء لتوفير النظر عليه لا يستدل على جواز إلحاق الضرر العظيم