في المكره على القتل أنه يقتل لما قلنا. وأما المكره فإنما يقتل بالتسبيب وقال في الإكراه على الإسلام أن المكره إذا كان ذميا لم يصح إسلامه وإن كان حربيا يصح; لأن إكراه الذمي باطل وإكراه الحربي جائز فعد الاختيار قائما وكذلك القاضي إذا أكره المديون على بيع ماله فباعه صح; لأن هذا إكراه حق وكذلك المولى إذا أكره فطلق صح لما قلنا وذلك بعد المدة عنده وقد ذكرنا نحن أن الإكراه لا يعدم الاختيار لكنه يعدم الرضا فكان دون الهزل وشرط الخيار ودون
ـــــــ
قوله:"وأما المكره"جواب عما يقال كما اقتصر الفعل على المكره حتى وجب القصاص عليه ينبغي أن لا يقتص من المكره; لأنه ليس بمباشر حقيقة ولا حكما لاقتصار الفعل على المكره فقال إنما يقتل المكره بالتسبيب لا بالمباشرة حقيقة فإن التسبيب إذا تعين للقتل صار بمنزلة المباشرة, وذلك لأن القصاص شرع للإحياء بسد باب القتل عدوانا ابتداء خوفا من القصاص, والقتل بالإكراه باب مفتوح في الناس للأكابر والمتغلبة فلو لم يلزمه القصاص لما انسد الباب بقتل المباشر; لأنه مضطر إليه والاضطرار جاء من جهة المتغلب وهذا كما يقتل الجماعة بالواحد; لأن قتل الآدمي في العادات إنما يكون بالتغالب والاجتماع عليه; لأن الواحد يدفع الواحد عن نفسه فلو لم تقتل الجماعة بالواحد قصاصا لما انسد باب القتل عدوانا بالقصاص ثم أنه سبب على وجه التعيين; لأن المكره لا يمكنه التخلص إلا بقتل ذلك الشخص بعينه فصار كالسيف له بخلاف حفر البئر ووضع الحجر على الطريق; لأن إكراه الذمي باطل; لأنا أمرنا أن نتركهم وما يدينون وإكراه الحربي جائز; لأن الشرع أمر بقتال أهل الحرب جبرا لهم على الإسلام فعد الاختيار قائما في حقه إعلاء للإسلام كما عد قائما في حق السكران زجرا له حتى صحت تصرفاته والمعنى فيه أن الإكراه إذا كان بحق فقد أمرنا الشرع بإكراهه على ذلك التصرف فيكون ذلك من الشرع طلبا للتصرف وما كان مطلوبا شرعا يكون محكوما بصحته; لأن الشرع لا يأمر بشيء غير صحيح فأما إذا كان الإكراه باطلا فهو محظور وذلك التصرف ممنوع عنه شرعا فلا يثبت ولا يصح وكذلك أي وكالمديون المولى إذا أكره على التطليق فطلق صح طلاقه لما قلنا إن الإكراه حق وذلك أي وقوع الطلاق بالإكراه بعد المدة عنده أي يتصور بعد مضي مدة الإيلاء على أصله; لأن بمضي المدة لا يقع الطلاق عنده ولكنها تستحق التفريق عليه كامرأة العنين بعد الحول فإذا امتنع عن ذلك فأكره عليه كان الإكراه حقا لا باطلا فلا يمنع من وقوع الطلاق فأما قبل مضي المدة فالإكراه باطل فيمنع وقوع الطلاق.
قوله:"وقد ذكرنا نحن أن الإكراه لا يعدم الاختيار"في السبب والحكم جميعا; لأن المكره طلب منه أن يختار أهون الأمرين عليه فكيف لا يكون مختارا أو لكنه بعدم الرضاء