حال فوجب أن ينسب الفعل إلى الذي أكرهه وأما الإكراه الذي لا يوجب الإلجاء فلا يوجب النقل; لأنه يعدم الرضا ولا يفسد الاختيار والمشيئة فلذلك لم يجعل آلة له. وأما القسم الذي لا يحتمل أن يجعل الفاعل فيه آلة لغيره فذلك مثل الأكل والوطء والزنا; لأن الأكل بفم غيره لا يتصور وكذلك إذا كان نفس الفعل مما يتصور أن يكون الفاعل فيه آلة لغيره صورة إلا أن المحل غير الذي يلاقيه الإتلاف صورة وكان ذلك يتبدل بأن يجعل آلة بطل ذلك واقتصر الفعل على
ـــــــ
الولاية فلا يصير شبهة في سقوط القود والضمان. وهذا إذا لم يكن الآمر ذا سلطنة فإن كان سلطانا فأمره بمنزلة الإكراه إذا كان المأمور يخاف على نفسه بمخالفة أمره; لأن من عادة المتجبرين الترفع عن التهديد بالقتل ولكنهم يأمرون ثم لا يعاقبون من خالف أمرهم إلا بالقتل فباعتبار هذه العادة كان الأمر من مثله بمنزلة التهديد بالقتل كذا في المبسوط والإكراه صحيح كل حال يعني إنما ينسب الفعل إلى الآمر بالأمر إذا صح الأمر وإذا لم يصح اقتصر على الفاعل كما بينا فأما في الإكراه فينسب الفعل إلى المكره إذا أمكن بكل حال سواء أكره حرا على قتل عبده أو على قتل حر آخر وسواء أكره على الحفر في موضع الاشتباه أو في غير موضع الاشتباه كجادة الطريق; لأن الإكراه صحيح أي متحقق في الوجوه كلها لا يمكن دفعه فوجب نسبة الفعل إلى المكره.
قوله:"وأما الإكراه الذي لا يوجب الإلجاء"كالإكراه بحبس أو بقيد أو بضرب لا يخاف منه على نفسه فلا يوجب نقل الفعل إلى المكره حتى اقتصر الضمان والقود على الفاعل; لأن المكره إنما يصير كالآلة عند تمام الإلجاء لفساد الاختيار باعتبار خوف التلف على نفسه وليس في التهديد بالحبس والقيد معنى خوف التلف على نفسه فبقي الفعل مقصورا على المكره.
قوله:"مثل الأكل والوطء"الأكل يحتمل النسبة إلى المكره من حيث هو أكل باتفاق الروايات عن أصحابنا حتى لو أكره على الأكل وهو صائم يفسد صومه ولا يفسد صوم المكره لو كان صائما; لأن المكره لا يصلح آلة للمكره في نفس الأكل فيقتصر على المكره فأما نسبته إلى المكره من حيث إنه إتلاف فقد اختلفت الروايات فذكر في شرح الطحاوي والخلاصة وغيرهما أنه لو أكره على أكل مال الغير يجب الضمان على المكره دون المكره وإن كان المكره يصلح آلة له من حيث الإتلاف كما في الإكراه على الإعتاق; لأن منفعة الأكل هاهنا حصلت للمكره فيجب الضمان عليه. كما لو أكره على الزنا لا يجب الحد ويجب العقر على الزاني ولا يرجع على المكره; لأن منفعة الوطء حصلت له