يتحامى في العادات عن مال غيره في موضع الإباحة, والشرع لم يأمر بالغرور فبطل الأداء نفيا للغرور فصار معنى الأداء لغوا ردا للغرور.
قلنا نحن هذا أداء حقيقة; لأنه عين ماله وصل إلى يده ولو كان قاصرا لتم بالهلاك فكيف لا يتم وهو في الأصل كامل فأما الخلل الذي ادعاه فإنما وقع
ـــــــ
فعله قاصرا في حكم الرد فلو جعلنا هذا ردا تضرر به المغصوب منه; لأنه أقدم على الأكل بناء على خبزه أنه أكرم ضيفه ولو علم أنه ملكه ربما لم يأكله وحمله إلى عياله فأكله معهم فلدفع الضرر عنه بقي الضمان على الغاصب كذا ذكر شمس الأئمة رحمه الله.
فالنكتة الأولى تشير إلى أن الأداء لم يوجد, والثانية تشير إلى أنه وجد قاصرا ولكنه لم يعتبر نفيا للغرور, وحجتنا في ذلك أن الواجب على الغاصب نسخ فعله وقد تحقق ذلك أما من حيث الصورة فلأنه وصل إلى يد المالك وبه ينعدم ما كان فائتا وأما من حيث الحكم فلأنه صار متمكنا من التصرف حتى لو تصرف فيه نفذ تصرفه غير أنه جهل بحاله وجهله لا يكون مبقيا للضمان في ذمة الغاصب مع تحقق العلة المسقطة كما أن جهل المتلف لا يكون مانعا من وجوب الضمان عليه عند تحقق الإتلاف إذا كان يظن أنه ملكه. وأما الغرور فثابت ولكن الغرور بمجرد الخبر لا يوجب حكما كمن عرف بسراق في الطريق فأخبر أن الطريق أمن فخرجوا فقطع عليهم لا يضمن الغار شيئا وإنما المعتبر منه ما يوجد في ضمن عقد ضمان كما في ولد المغرور ولم يوجد ذلك فإن الغاصب المضيف ما شرط لنفسه عوضا. ولأن أكثر ما في الباب أن لا يكون فعل الغاصب هو الرد المأمور به ولكن تناول المغصوب منه عين المغصوب كاف في إسقاط الضمان عن الغاصب, ألا ترى أنه لو جاء إلى بيت الغاصب وأكل ذلك الطعام بعينه وهو يظن أنه ملك الغاصب برئ الغاصب من الضمان, فكذلك إذا أطعمه الغاصب إياه كذا في المبسوط.
قوله:"ليس بأداء مأمور به"إذ لا بد للمأمور به من أن يكون حسنا والغرور قبيح منهي عنه فكيف يكون مأمورا به. إذ المرء لا يتحامى أي لا يجتنب ولا يحترز في العادات عن مال الغير في موضع الإباحة; لأن المانع من التصرف في مال الغير الحرمة الشرعية أو المنع الحسي, فإذا زال ذلك بالإباحة لا يبالي بإتلافه بخلاف مال نفسه فإنه يحترز عن إتلافه أشد الاحتراز بقاء له على نفسه وإذا كان كذلك كان التلف مضافا إلى الغرور لا إلى فعله فبقي الضمان على الغار, فبطل معنى الأداء أي بطل إيصاله إلى المالك حقيقة ردا للغرور المنهي عنه, وحاصل هذا الدليل أن ما صدر عنه ليس بأداء لكونه غرورا.
وقوله ولو كان قاصرا لتم بالهلاك جواب عين نكتة للشافعي لم تذكر في الكتاب