لجهله والجهل لا يبطله وكفى بالجهل عارا فكيف يكون عذرا في تبديل إقامة الفرض اللازم والعادة المخالفة للديانة الصحيحة على ما زعم لغو; لأن عين ماله
ـــــــ
وهي ما ذكرنا أن الغاصب أزال يدا مطلقة لجميع التصرفات وما أعاد بتقديم الطعام إليه إلا يد إباحة فكان هذا أداء قاصرا فلا ينوب عن الكامل فأجاب وقال لو كان قاصرا كما زعمتم لتم بالهلاك كما في أداء الزيوف عن الجياد مع أنا لا نسلم أنه قاصر بل هو كامل; لأنه إيصال الحق إلى مالكه أصلا ووصفا. وقوله ما أعاد الأيد إباحة قلنا جهة الإباحة ساقطة بالإجماع; لأنه لا يتصور في حق المالك إلا جهة الملك فأما الخلل الذي ادعاه الخصم وهو الغرور الذي تضمنه هذا الأداء فإنما وقع بجهل المالك والجهل أي جهل المالك لا يبطل الأداء الصادر من الغاصب إذ علم المالك ليس من شرائط صحة الأداء كما ذكرنا وكفى بالجهل عارا; لأنه نقيصة فإن الرجل يعير به فوق تعييره بنقصان أعضائه فكيف يصلح عذرا في تبديل إقامة الفرض اللازم وهو الرد إلى المالك يعني تسليم هذا العين إلى المالك فرض على الغاصب وقد أتى به بجهله بأن هذا ملكه لا يصلح مبطلا له, ألا ترى أن المغصوب لو كان عبدا فقال الغاصب للمالك أعتق هذا العبد فقال أعتقته وهو لا يعلم أنه عبده ينفذ عتقه ولا يرجع على الغاصب بشيء وكذا البائع لو قال للمشتري أعتق عبدي هذا وأشار إلى المبيع فأعتقه المشتري ولم يعلم بأنه عبده صح إعتاقه ويجعل قبضا ويلزمه الثمن; لأنه أعتق ملكه وجهله بأنه ملكه لا يمنع صحة ما وجد منه فكذا هذا.
وقوله:"والعادة المخالفة للديانة الصحيحة"لغو جواب عن قوله المرء لا يتحامى في العادات عن مال الغير يعني العادة إنما تعتبر إذا لم يكن مخالفة للديانة الصحيحة, وقيد بالصحيحة احترازا عن ديانات أهل الأهواء والمتقشفة ونحوها فإن العادة المخالفة لها يعتبر, وما ذكرت من العادة مخالفة للديانة الصحيحة; لأن مقتضى الإسلام أن لا يرغب في مال الغير وأن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه قال عليه السلام:"والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"1, فكما يكره إتلاف مال نفسه مع كونه مطلق التصرف فيه فكذلك ينبغي أن يكره إتلاف مال الغير.
وروي عن بعض الكبار أنه قال: وقع حريق بالليل فخرجت أنظر إلى دكاني فقيل لي الحريق بعيد من دكانك فقلت: الحمد لله ثم قلت في نفسي: هب إنك نجوت من البلاء
ـــــــ
1 أخرجه البخاري في الإيمان باب رقم 14 ومسلم في الإيمان حديث رقم 45 والإمام أحمد في المسند 3/176 و206 و251 و272 و278 و289.