القائم به تفاوت فاحش فلم يصلح مثلا له معنى بحكم الشرع في العدوان بخلاف ضمان العقود; لأن العقود مشروعة فبنيت على الوسع والتراضي باعتبار الحاجة إليها وسقط اعتبار هذا التفاوت, ألا ترى أن اعتبار هذا التفاوت في
ـــــــ
أحدهما أن العين تبقى والمنفعة لا تبقى وثانيهما أن المنفعة تقوم بالعين لكونها عرضا والعين تقوم بنفسها فجمع الشيخ بين الوجهين بقوله بين ما تبقى وتقوم العرض به وبين العرض القائم به أي العرض الذي لا يبقى وهو مع ذلك قائم بغيره.
قوله:"تفاوت فاحش"قال الشافعي رحمه الله التفاوت باعتبار البقاء لا يؤثر في المنع من إيجاب الضمان بعد المساواة في الوجود كما إذا أتلف ما يتسارع إليه الفساد نحو الجمد والبطيخ فإنه تضمن الدراهم ولا مساواة بينهما في البقاء; لأن الدراهم يبقى أزمنة كثيرة والجمد ونحوه لا يبقى فكذا التفاوت الذي بين العين والمنفعة في البقاء لا يمنع من وجوب الضمان لتساويهما في أصل الوجود, فأجاب الشيخ بأن التفاوت بينهما فاحش لا يبقى معه المساواة بينهما فمنع من إيجاب الضمان, وهذا; لأن المماثلة إنما تعتبر في المعنى الذي بني عليه الضمان وهو المالية لا في كل معنى فإن الدراهم مثل للحيوان في المالية لا غير وههنا التفاوت في نفس المالية لما ذكرنا أن مالية المنافع لا تساوي مالية الأعيان; لأنها لا تقبل البقاء والمالية صفة للموجود, فإذا كان الموجود غير قابل للبقاء كيف يكون معنى المالية فيهما مثل معنى المالية في الأعيان فأشبه التفاوت بين العين والدين بخلاف ما يتسارع إليه الفساد; لأن التفاوت بينه وبين الدراهم في مقدار البقاء; لأنه يبقى في زمانين وأزمنة كثيرة إلا أن الدراهم أكثر بقاء منه ومثل هذا التفاوت لا يمنع وجوب الضمان وهذا; لأن المساواة بين المتلف وبدله إنما يشترط حال وجوب الضمان; لأنها حال إقامة أحدهما مقام الآخر فيجب أن يكون كل واحد منهما موصوفا بالبقاء ليصح المقابلة بوجود المساواة فأما البقاء بعد الإقامة فليست من موجب الغصب والعدوان فلهذا لا يمنع التفاوت بعد ذلك من وجوب الضمان.
قوله:"باعتبار الحاجة إليها"."فإن قيل"الحاجة ماسة إلى إهدار هذا التفاوت ههنا أيضا سدا لباب العدوان إذ في اعتباره انفتاح باب الظلم وتضيق الأمر على الناس"قلنا"ليس الأمر كما زعمت فإن مساس الحاجة فيما يكثر وجوده وهو ما كان مشروعا لا فيما يندر وجوده وهو العدوان فإنه منهي عنه وسبيله أن لا يوجد كيف وقد أوجبنا للزجر التعزير والحبس فإنه ذكر في المبسوط وعندنا يأثم ويؤدب على ما صنع ولكنه لم يضمن شيئا."فإن قيل"في اعتبار هذا التفاوت إبطال حق المالك أصلا وفي إهداره وإيجاب