الأول صورة ومعنى وهو إلى الإحياء الذي هو المقصود أقرب فلم يجز أن
ـــــــ
الدية والخيار إلى الولي في التعيين لقوله عليه السلام:"من قتل قتيلا فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية"1, فهذا تنصيص على أن كل واحد منهما موجب القتل وإن الولي مخير بينهما, ولأن وجوب المال هو الأصل في القتل شرع لجبر حق المقتول فيما فات عليه بدليل حالة الخطأ فإن الفوات عليه في الوجهين يقع على نمط واحد, ألا ترى أنه ينتفع به يقضي به ديونه وتنفذ وصاياه أما القصاص فإنما ينتفع به الوارث إذ التشفي يحصل له ولهذا كان المقتول شهيدا في العمد دون الخطأ; لأن نفع القصاص لا يعود إليه بخلاف نفع الخطأ إلا أن الشرع أوجب القصاص ضمانا زائدا لمعنى الانتقام وتشفي الصدر نظرا للولي وإبقاء للحياة فشرعه لا ينفي الضمان الأصلي لكنه تعذر الجمع بينهما; لأن كل واحد منهما يجب حقا للعبد حتى يعمل فيه إسقاطه ويورث عنه ولا يجوز الجمع بين الحقين لمستحق واحد بمقابلة محل واحد فأثبتنا الجمع بينهما على سبيل التخيير, ولنا أنه أتلف مضمونا فيتقيد ضمانه بالمثل ما أمكن كإتلاف المال وتفويت حقوق الله تعالى من الصلاة والصوم, والمال ليس بمثل للمتلف لما ذكرنا والقصاص مثل له صورة; لأنه قتل وإفاتة حياة كالأول, ومعنى لأن المقصود بالقتل ليس إلا الانتقام والثاني في معنى الانتقام كالأول ولهذا سمي قصاصا وفيه مقابلة النفس بالنفس كما قال تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45] , فمع القدرة على المثل الكامل لا يجوز المصير إلى غيره; لأنه سابق على أقسام القضاء ألا ترى أن الصوم لا يجوز قضاؤه بالفدية مع القدرة على المثل الكامل وهو الصوم لما ذكرنا.
"فإن قيل"كما أن المال ليس بمثل للقصاص أو النفس فكذا القتل ليس بمثل للقطع مع القتل فيما تقدم فينبغي أن لا يجوز الاقتصار على القتل مع القدرة على القطع والقتل.
"قلنا"المال ليس بمثل للنفس صورة ولا معنى فأما القتل فمثل للقطع صورة ومعنى ومثل للقطع معنى لا صورة فلهذا النوع من المماثلة كان الواجب في الابتداء أحدهما إما الجمع أو الاقتصار فلا يكون الاقتصار انتقالا عن الواجب الأصلي مع القدرة على استيفائه إلى خلفه بخلاف الدية في القتل العمد; لأنها لو وجبت كانت خلفا عن القصاص; لأنه الواجب الأصلي دون الدية التي لا مماثلة بينها وبين الفائت بوجه فيكون
ـــــــ
1 أخرجه البخاري في الديات باب رقم 2434 ومسلم في الحج حديث رقم 1355 والترمذي في الديات حديث رقم 1405.