المكان إلا أن هذه الوسائط غير مستحقة لأنفسها; لأن النفس ليست بجانية
ـــــــ
عليه السلام عاد نفسك فإنها انتصبت لمعاداتي وقال عليه السلام:"أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك"1, لا أنه حسن في ذاته; لأن تجويع النفس ومنع نعم الله تعالى عن مملوكه مع النصوص المبيحة لها مثل قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32] {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة: 4] {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 57, و172] و [الأعراف 160] و [طه 81] {كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا} [البقرة: 168] ليس بحسن., وكذا الزكاة إنما صارت حسنة بواسطة دفع حاجة الفقير الذي هو من خواص الرحمن لا لنفسها; لأن تمليك المال وتنقيصه في ذاته إضاعة وهي حرام شرعا وممنوع عقلا, وكذا الحج إنما صار حسنا بواسطة أنه زيارة أمكنة معظمة محترمة عظمها الله تعالى وشرفها على غيرها قال واحد من الصحابة:
ما أنت يا مكة إلا وادي ... شرفك الله على البلاد
وفي زيارتها تعظيم صاحبها فصار حسنا بواسطة شرف المكان لا لذاته إذ قطع المسافة وزيارة أماكن معلومة يساوي في ذاته سفر التجارة وزيارة البلاد, غير أن هذه الوسائط تثبت بخلق الله تعالى لا اختيار للعبد فيها فإن النفس ليست بجانية في صفتها بل هي مجبولة على تلك الصفة كالنار على صفة الإحراق ولهذا لا يلام أحد على الميل إلى الشهوات ولا يسأل عنه يوم القيامة; لأنه طبعي, ولا يقال لما لم تكن جانية في صفتها كيف استحقت القهر; لأنا نقول إنما وجب قهرها بمخالفة هواها لئلا يقع المرء في الهلاك بسبب متابعتها كما أن التباعد وجب عن النار احترازا عن الهلاك وإن كانت مجبولة في صفة الإحراق غير مختارة., وكذا الفقير ليس بمستحق عبادة إذ العبادة لا يستحقها إلا الله عز وجل, وإنما قال ذلك; لأنه بفقره قد يستحق إيصال النفع إليه بطريق المبرة التي تدعو إليها الطبيعة إذ هي في الأصل مائلة إلى الإحسان إلى الغير ودفع الضرر عن الجنس ولكن لا يستحق ما هو عبادة أصلا لما ذكرنا, وكذا البيت ليس بمستحق للتعظيم بنفسه إذ هو حجر كسائر البيوت بل بجعل الله تعالى إياه معظما وأمره أبانا بتعظيمه, ولما ثبت أن هذه الوسائط ثبتت بخلق الله تعالى بدون اختيار العبد كانت مضافة إلى الله جل جلاله وسقط اعتبارها في حق العبد فصارت هذه العبادات حسنة خالصة من العبد للرب بلا واسطة كالصلاة فشرط لها الأهلية الكاملة فلا يجب على الصبي كالصلاة خلافا للشافعي رحمه الله في فصل الزكاة.
ـــــــ
1 أخرجه البيهقي في الزهد الكبير برقم 343.