في صفتها والفقير ليس بمستحق عبادة والبيت ليس بمستحق لنفسه فصار هذا كالقسم الثاني عبادة خالصة لله حتى شرطنا لها أهلية كاملة.
ـــــــ
"فإن قيل"الصلاة صارت قربة بواسطة الكعبة أيضا فينبغي أن تكون من الضرب الثالث لا من الثاني كالحج.
"قلنا"إنما أراد بالواسطة ههنا ما يتوقف ثبوت الحسن للمأمور به عليه كما بينا أن حسن هذه العبادات يتوقف على هذه الوسائط المذكورة حتى شابهت باعتبارها الحسن لغيره والصلاة تعظيم الله تعالى وهو حسن في ذاته من غير توقف له على جهة الكعبة فإنها قد كانت حسنة حين كانت القبلة بيت المقدس وجهة المشرق وقد تبقى حسنة عند فوات هذه الجهة حالة اشتباه القبلة, فلما لم يتوقف حسنها على الواسطة كانت الضرب الثاني بخلاف تلك العبادات فإنها لا تكون حسنة بدون وسائطها فكانت في الضرب الثالث. إليه أشار الإمام العلامة بدر الدين الكردري في فوائد التقويم.
فصار هذا أي القسم الثالث كالقسم الثاني وهو الإقرار والصلاة حتى شرطنا لها أهلية كاملة; لأن العبادة الخالصة محض حق الله تعالى شرعت على العباد ابتلاء وهو غني على الإطلاق فتوقف وجوب حقه لغناه على كمال الأهلية فلم يجب على الصبي والمجنون بخلاف حقوق العباد فإنها يجوز أن تجب بأهلية قاصرة لحاجتهم فيجب على الصبي والمجنون وينوب الولي منابهما في الأداء, واعلم أن إيراد الإيمان في نظائر هذا النوع مشكل; لأنه في بيان الحسن الذي ثبت للمأمور به بالأمر وعرف ذلك به لا قبله بالعقل وحسن الإيمان ثابت قبل الأمر ويعرف بالعقل لا بتوقف ذلك على ورود السمع حتى قلنا بوجوب الاستدلال على من لم تبلغه الدعوة أصلا, ولهذا لم يذكر القاضي الإمام الإيمان في هذه الأقسام بل بدأ بالصلاة; لأن حسن هذه الهيئة ثابت بالأمر لا بالعقل إلا أن يكون حسنه ثابتا بالسمع عند الشيخ لا بالعقل كما هو مذهب الأشعرية لكن قوله لا يقبل سقوط هذا الوصف يأبى هذا الاحتمال, ثم حاصل ما ذكر أن التصديق في أعلى درجات الحسن والإقرار دونه; لأنه يحتمل السقوط والصلاة دونه; لأنها ليست بركن في الإيمان والصوم واختاره دونها; لأنها مشابهة للحسن لغيره.
قوله:"وأما الضرب الأول من القسم الثاني"وهو ما حسن لمعنى في غيره وذلك الغير لا يتأدى إلا بفعل مقصود فمثل السعي إلى الجمعة ليس بفرض مقصود أي ليس بحسن في نفسه إذ هو مشي ونقل أقدام وإنما حسن وصار مأمورا به لإقامة الجمعة إذ به يتوصل إلى أدائها فكان حسنا لغيره لا لذاته ثم الجمعة لا تتأدى به بل بفعل مقصود